الدكتور محمد إسماعيل بصل
المشهد الأول
)مقر فرقة مسرحية، يتجمع فيه عدد من الممثلين والممثلات، ويتوافد بعضهم الآخر بين الفينة والأخرى، يبدو على الجميع الانتظار، فالأستاذ فتحي لم يصل بعد، ويبدو أنَّ ثمة نقاشاً بين أعضاء الفرقة لم يحسم بعد).
سمير : لقد تأخر الأستاذ فتحي.
هيثم : ليست المرة الأولى التي يتأخر فيها مخرجنا.
سعاد : أنا عندما أتأخر خمس دقائق ينظر إليّ بعينين ناريتين، ويتمتم بكلمات كم أتمنى لو أفهمها.
وفاء :(مازحة) أنا أفهمها.. إنها محملة بمعاني الشتائم وموجهة لك ولأبيك.
برهان : أنتم تظلمون الأستاذ فتحي.. إنه لايشتم أحداً إلاَّ من أجل مصلحته ومصلحة العمل.
سمير : الآن عندما يحضر سوف أشتمه من أجل مصلحته ومصلحة العمل.
برهان : أنت بالذات لا يحق لك الكلام.. فالأستاذ فتحي يفضِّلك على جميع أعضاء الفرقة.
سمير : ولماذا لايفضلني، طالما أنَّ أعمال السخرة كلها تقع على كاهلي..
هيثم : إنك تقبض أجرتها دور البطولة في كل المسرحيات.
سمير : تُسند إليَّ أدوار البطولة- ياأستاذ - لأنه لايوجد في الفرقة من هو أفضل مني للعب هذه الأدوار
سعاد : إنك دون شك ممثل جيد لولا هذا الغرور الذي يمنعك من العيش مع الآخرين بسلام.
سمير : لست بحاجة إلى نصائحك وتحليلاتك الفلسفية العقيمة.
برهان : لاتتكلم بهذه الطريقة مع زملائك، لو لم نعرفك جيداً، ونعرف أن قلبك أنقى من قلب طفل، لما كلمناك أبداً..
سمير (يشعر بالإحراج، فيحاول تغيير الموضوع)
المهم، هل ستُخبرون الأستاذ فتحي بالمسلسل.
غسان : أنت تعرف رأيه بالمسلسلات، ولاأعتقد أنه سيوافق.
سمير : ولماذا لا يوافق؟ هذه فرصة لنا جميعاً، وعندما يرانا متفقين على العمل، فلا شك أنه سيوافق ويقتنع بالأمر الواقع..
وفاء : طريقة لوي الذراع هذه لا يحبها الأستاذ فتحي، ولا يجوز أن نستخدمها معه.
سمير : ولكن ماذا يعطينا الأستاذ فتحي؟ ماذا يقدم لنا؟.. ثلاثة أشهر من التدريبات المستمرة، على حساب وقتنا، وعائلاتنا، ماذا تأخذون في نهاية العمل؟ مكافأة لاتشتري قميصاً.. تسعة مشاهد في التلفزيون، في يوم أو يومي تصوير، تقبض ثمنها ما يعادل راتب ثلاثة موظفين، ناهيك عن الشهرة، فأنت تمثل عشرين مسرحية ولا أحد يسمع بك، بينما تظهر على التلفزيون مرَّة واحدة، ترى السَّمان والجزار والحذاء وبائع الخضار وصبايا الحي يحيونك باحترام.
غسان : ولكنْ للمسرح متعته.
سمير : لاتحدثني عن المتعة والفائدة، والرسالة السامية، والحالة الفكرية، والمشهد الثقافي، فالأستاذ فتحي ملأ أنفى بهذه الخطابات.. وأصبحت أعرفها أكثر منه، حتى الأستاذ فتحي لم يعد مقتنعاً بهذه الأمور.. هل بإمكانكم أن تقولوا لي، لماذا عزف مخرجنا الملتزم عن الأعمال العبثية والتراجيدية الصعبة، ولجأ في الآونة الأخيرة إلى الكوميديا؟
برهان : ولكن الكوميديا التي نقدمها.. كوميديا راقية، كوميديا موقف، بعيدة عن الصراخ والتهريج، وإلقاء النكات الرخيصة.
سمير : المهم أنه أصبح يهتم بالكوميديا، بعد أن عقَّدنا وعقَّد الجمهور بالأعمال (يقلّد الأستاذ فتحي) التي تخاطب العقل وتحرضه على اتخاذ موقف إزاء ماهو طبيعي.
سعاد : ومن قال لك، إن الكوميديا لاتخاطب العقل؟
سمير : عدنا إلى الفلسفة والتنظير، ولكن الحق ليس عليكم، فأنتم لم تتعاملوا مع مخرج غير الأستاذ فتحي، ولقد جلدكم بهذه الوصايا التي لن تتخلصوا من عبئها أبداً.
وفاء : طيب! قل لنا يا أيها الفنان العظيم، لماذا يهتم أستاذنا بالكوميديا هذه الأيام؟
سمير : لأن مسرحية " الذئاب الصامتة" التي قدمناها منذ ثلاث سنوات لم يحضرها أكثر من خمسمائة متفرج خلال ستة عروض، ومسرحية "العنكبوت" التي لعبتُ فيها دور البطولة، وأنتم كلكم كنتم أشباحاً وراء الستار، لم يأت إليها أكثر من مائة شخص ثم توقف العرض، أما مسرحية "حكاية رجل قتل حماته" التي قدمناها السنة الفائتة، فإنها شدت انتباه الجمهور والصحافة، ومدّدنا عرضها أكثر من مرة.. الجمهور لايريد أن يجلده أحد في صالة مظلمة بنصائح وشعارات، إنه يدفع ثمن التذكرة ليضحك ويتسلى.. افهموها، فهي لا تحتاج إلى تعقيد..
) يدخل الأستاذ فتحي وقد بدا عليه الإحراج لتأخره عن موعد البروفة- يتجه نحو مكتبه ويضع الحقيبة ويُخرج منها أوراقاً كثيرة)
الأستاذ فتحي: أنا آسف يا جماعة، فالحق ليس عليّ، بل على آلة التصوير والكهرباء. لقد وعدتكم أن أوزع عليكم المقال الذي ترجمه الدكتور سامح حول المسرح الياباني، وبالفعل ذهبت إلى المكتبة قبل ساعتين.. إلاّ أن الآلة تسخن بعد تصوير عشرين ورقة ويجب أن ترتاح بعدها ربع ساعة، والكهرباء أيضاً أرادت أن ترتاح نصف ساعة.. ولكن لابأس، فها هو المقال بين أيدينا الآن، (يتوجه إلى سمير) تعال سمير وزع هذه الأوراق على الزملاء.
سمير : (يتقدم باتجاه مكتب الأستاذ فتحي ويأخذ الأوراق) ولكن.. أستاذ... هناك موضوع كنا نريد أن نتحدث.. (يقاطعه).
الأستاذ فتحي : كلكم؟.
سمير : كلنا.. كنا نريد أن نقول لك إن كان ثمة من إمكانية للعمل مع.. مع الأستاذ فرزت.. فلقد عرفنا أنه وصل بالأمس مع (كاست) العمل و...
الأستاذ فتحي : (غاضباً) ويريد كومبارساً، ليقفوا في خلفيات مشاهده.. وأنتم مستعدون طالما أنكم ستقتربون من النجوم وتقبضون مالاً عظيماً تتغلبون فيه على قهر الحياة وبؤسها! (يحاول سمير أن يتكلم فيقاطعه الأستاذ فتحي غاضباً) كفى.. لقد تكلمنا في هذه الأمور مرات ومرات... أنتم أحرار. جميعكم أحرار، وهذه الفرقة لا تقدم لكم رواتب شهرية، وأنتم غير ملزمين بالعمل، فمن أراد أن يبقى، فأهلاً وسهلاً، ومن أراد أن يذهب، فالباب كبير..!
هيثم : ولكن يا أستاذ.. لماذا لانتحاور؟ ، التلفزيون جاء إلينا ونحن لم نذهب إليه وهي فرصة طيبة لكل الذين يعملون في مجال المسرح من ثلاثين سنة ولم يسمع بهم أحد في هذه المدينة.
الأستاذ فتحي : ومن قال لك، إنَّ أحداً لم يسمع بكم. إنَّ الجمهور الذي لم يكن موجوداً من قبل، وبفضل أعمال فرقتنا والفرق الأخرى التي تحترم المسرح، صار ينتظر جديدكم ويقدر فنكم..
سعاد : ولكنك قاسٍ جداً على التلفزيون ياأستاذ، بالرغم من معرفتك بأن معظم الممثلين في التلفزيون كانوا من هواة المسرح ومحترفيه.
الأستاذ فتحي : أنا لست ضد التلفزيون ياسعاد، على العكس، هناك أعمال مهمة جداً ستبقى خالدة في أذهان الناس، وأنا متأكد بأنه سيكون هناك أعمال في المستقبل تضاهيها، ولكن أنا ضد أن يقتحم التلفزيون كل شيء حتى المسرح ويلغيه. أنا ضد هذا التكرار السخيف للحكايات التلفزيونية التي تستلب عقل المشاهد وتهمش وعيه، أنا ضد أن يمارس التلفزيون سلطته المادية على فناني المسرح.
سمير :(برماً) ولكن المسرح لايطعم خبزاً يا أستاذ (يحاول الأستاذ فتحي أن يرد على سمير بحدة، فتقاطعه وفاء).
وفاء : بل يطعم شهداً يا فنان.. هل تعرف أن عدداً لابأس به من نجوم السينما في أوربا لاذوا بالمسرح في الآونة الأخيرة؟
برهان : بعدما دُججت خزائن البنوك بأموالهم جاؤوا ليتسلوا على خشبة المسرح.
وفاء : بل جاؤوا ليتمتعوا، ليشعروا باللذة التي لايعرفها إلاَّ من وقف على الخشبة
)تلتفت إلى الأستاذ فتحي)، أليس كذلك أستاذ؟.
سمير : كلام.. كلام.
الأستاذ فتحي : هذا ليس كلاماً.. بل حقيقة.. ولنؤجل هذا النقاش إلى وقت آخر لو سمحتم ولنبدأ العمل، هذا النص الجديد الذي بين أيدينا سيحدث هزة.
سمير :(بصوت منخفض) وكم من هزات تحدث دون أن يشعر بها أحد.
الأستاذ فتحي : دعونا نقرأ النص.
غسان : هل ستوزع الأدوار اليوم يا أستاذ؟
الأستاذ فتحي : قد أوزعها اليوم.
سعاد : لقد حفظنا الأدوار تماماً.
الأستاذ فتحي : طيب.. لنقرأ المسرحية مرة أخرى.
سعاد : ولكن ليس قبل أن نشرب الشاي.
هيثم : اليوم دور برهان.
برهان : من يومين كان دوري..
)لغط بين أعضاء الفرقة وقد ساد جو من الودِّ والتفاهم).
الأستاذ فتحي : لاتختلفوا.. الورقة معي.. لحظة
)يبحث عن ورقة في حقيبته ثم يقرأ فيها) اليوم دور غسان بتحضير الشاي ودور برهان بغسل الفناجين..
إطفـــــاء
)مقر فرقة مسرحية، يتجمع فيه عدد من الممثلين والممثلات، ويتوافد بعضهم الآخر بين الفينة والأخرى، يبدو على الجميع الانتظار، فالأستاذ فتحي لم يصل بعد، ويبدو أنَّ ثمة نقاشاً بين أعضاء الفرقة لم يحسم بعد).
سمير : لقد تأخر الأستاذ فتحي.
هيثم : ليست المرة الأولى التي يتأخر فيها مخرجنا.
سعاد : أنا عندما أتأخر خمس دقائق ينظر إليّ بعينين ناريتين، ويتمتم بكلمات كم أتمنى لو أفهمها.
وفاء :(مازحة) أنا أفهمها.. إنها محملة بمعاني الشتائم وموجهة لك ولأبيك.
برهان : أنتم تظلمون الأستاذ فتحي.. إنه لايشتم أحداً إلاَّ من أجل مصلحته ومصلحة العمل.
سمير : الآن عندما يحضر سوف أشتمه من أجل مصلحته ومصلحة العمل.
برهان : أنت بالذات لا يحق لك الكلام.. فالأستاذ فتحي يفضِّلك على جميع أعضاء الفرقة.
سمير : ولماذا لايفضلني، طالما أنَّ أعمال السخرة كلها تقع على كاهلي..
هيثم : إنك تقبض أجرتها دور البطولة في كل المسرحيات.
سمير : تُسند إليَّ أدوار البطولة- ياأستاذ - لأنه لايوجد في الفرقة من هو أفضل مني للعب هذه الأدوار
سعاد : إنك دون شك ممثل جيد لولا هذا الغرور الذي يمنعك من العيش مع الآخرين بسلام.
سمير : لست بحاجة إلى نصائحك وتحليلاتك الفلسفية العقيمة.
برهان : لاتتكلم بهذه الطريقة مع زملائك، لو لم نعرفك جيداً، ونعرف أن قلبك أنقى من قلب طفل، لما كلمناك أبداً..
سمير (يشعر بالإحراج، فيحاول تغيير الموضوع)
المهم، هل ستُخبرون الأستاذ فتحي بالمسلسل.
غسان : أنت تعرف رأيه بالمسلسلات، ولاأعتقد أنه سيوافق.
سمير : ولماذا لا يوافق؟ هذه فرصة لنا جميعاً، وعندما يرانا متفقين على العمل، فلا شك أنه سيوافق ويقتنع بالأمر الواقع..
وفاء : طريقة لوي الذراع هذه لا يحبها الأستاذ فتحي، ولا يجوز أن نستخدمها معه.
سمير : ولكن ماذا يعطينا الأستاذ فتحي؟ ماذا يقدم لنا؟.. ثلاثة أشهر من التدريبات المستمرة، على حساب وقتنا، وعائلاتنا، ماذا تأخذون في نهاية العمل؟ مكافأة لاتشتري قميصاً.. تسعة مشاهد في التلفزيون، في يوم أو يومي تصوير، تقبض ثمنها ما يعادل راتب ثلاثة موظفين، ناهيك عن الشهرة، فأنت تمثل عشرين مسرحية ولا أحد يسمع بك، بينما تظهر على التلفزيون مرَّة واحدة، ترى السَّمان والجزار والحذاء وبائع الخضار وصبايا الحي يحيونك باحترام.
غسان : ولكنْ للمسرح متعته.
سمير : لاتحدثني عن المتعة والفائدة، والرسالة السامية، والحالة الفكرية، والمشهد الثقافي، فالأستاذ فتحي ملأ أنفى بهذه الخطابات.. وأصبحت أعرفها أكثر منه، حتى الأستاذ فتحي لم يعد مقتنعاً بهذه الأمور.. هل بإمكانكم أن تقولوا لي، لماذا عزف مخرجنا الملتزم عن الأعمال العبثية والتراجيدية الصعبة، ولجأ في الآونة الأخيرة إلى الكوميديا؟
برهان : ولكن الكوميديا التي نقدمها.. كوميديا راقية، كوميديا موقف، بعيدة عن الصراخ والتهريج، وإلقاء النكات الرخيصة.
سمير : المهم أنه أصبح يهتم بالكوميديا، بعد أن عقَّدنا وعقَّد الجمهور بالأعمال (يقلّد الأستاذ فتحي) التي تخاطب العقل وتحرضه على اتخاذ موقف إزاء ماهو طبيعي.
سعاد : ومن قال لك، إن الكوميديا لاتخاطب العقل؟
سمير : عدنا إلى الفلسفة والتنظير، ولكن الحق ليس عليكم، فأنتم لم تتعاملوا مع مخرج غير الأستاذ فتحي، ولقد جلدكم بهذه الوصايا التي لن تتخلصوا من عبئها أبداً.
وفاء : طيب! قل لنا يا أيها الفنان العظيم، لماذا يهتم أستاذنا بالكوميديا هذه الأيام؟
سمير : لأن مسرحية " الذئاب الصامتة" التي قدمناها منذ ثلاث سنوات لم يحضرها أكثر من خمسمائة متفرج خلال ستة عروض، ومسرحية "العنكبوت" التي لعبتُ فيها دور البطولة، وأنتم كلكم كنتم أشباحاً وراء الستار، لم يأت إليها أكثر من مائة شخص ثم توقف العرض، أما مسرحية "حكاية رجل قتل حماته" التي قدمناها السنة الفائتة، فإنها شدت انتباه الجمهور والصحافة، ومدّدنا عرضها أكثر من مرة.. الجمهور لايريد أن يجلده أحد في صالة مظلمة بنصائح وشعارات، إنه يدفع ثمن التذكرة ليضحك ويتسلى.. افهموها، فهي لا تحتاج إلى تعقيد..
) يدخل الأستاذ فتحي وقد بدا عليه الإحراج لتأخره عن موعد البروفة- يتجه نحو مكتبه ويضع الحقيبة ويُخرج منها أوراقاً كثيرة)
الأستاذ فتحي: أنا آسف يا جماعة، فالحق ليس عليّ، بل على آلة التصوير والكهرباء. لقد وعدتكم أن أوزع عليكم المقال الذي ترجمه الدكتور سامح حول المسرح الياباني، وبالفعل ذهبت إلى المكتبة قبل ساعتين.. إلاّ أن الآلة تسخن بعد تصوير عشرين ورقة ويجب أن ترتاح بعدها ربع ساعة، والكهرباء أيضاً أرادت أن ترتاح نصف ساعة.. ولكن لابأس، فها هو المقال بين أيدينا الآن، (يتوجه إلى سمير) تعال سمير وزع هذه الأوراق على الزملاء.
سمير : (يتقدم باتجاه مكتب الأستاذ فتحي ويأخذ الأوراق) ولكن.. أستاذ... هناك موضوع كنا نريد أن نتحدث.. (يقاطعه).
الأستاذ فتحي : كلكم؟.
سمير : كلنا.. كنا نريد أن نقول لك إن كان ثمة من إمكانية للعمل مع.. مع الأستاذ فرزت.. فلقد عرفنا أنه وصل بالأمس مع (كاست) العمل و...
الأستاذ فتحي : (غاضباً) ويريد كومبارساً، ليقفوا في خلفيات مشاهده.. وأنتم مستعدون طالما أنكم ستقتربون من النجوم وتقبضون مالاً عظيماً تتغلبون فيه على قهر الحياة وبؤسها! (يحاول سمير أن يتكلم فيقاطعه الأستاذ فتحي غاضباً) كفى.. لقد تكلمنا في هذه الأمور مرات ومرات... أنتم أحرار. جميعكم أحرار، وهذه الفرقة لا تقدم لكم رواتب شهرية، وأنتم غير ملزمين بالعمل، فمن أراد أن يبقى، فأهلاً وسهلاً، ومن أراد أن يذهب، فالباب كبير..!
هيثم : ولكن يا أستاذ.. لماذا لانتحاور؟ ، التلفزيون جاء إلينا ونحن لم نذهب إليه وهي فرصة طيبة لكل الذين يعملون في مجال المسرح من ثلاثين سنة ولم يسمع بهم أحد في هذه المدينة.
الأستاذ فتحي : ومن قال لك، إنَّ أحداً لم يسمع بكم. إنَّ الجمهور الذي لم يكن موجوداً من قبل، وبفضل أعمال فرقتنا والفرق الأخرى التي تحترم المسرح، صار ينتظر جديدكم ويقدر فنكم..
سعاد : ولكنك قاسٍ جداً على التلفزيون ياأستاذ، بالرغم من معرفتك بأن معظم الممثلين في التلفزيون كانوا من هواة المسرح ومحترفيه.
الأستاذ فتحي : أنا لست ضد التلفزيون ياسعاد، على العكس، هناك أعمال مهمة جداً ستبقى خالدة في أذهان الناس، وأنا متأكد بأنه سيكون هناك أعمال في المستقبل تضاهيها، ولكن أنا ضد أن يقتحم التلفزيون كل شيء حتى المسرح ويلغيه. أنا ضد هذا التكرار السخيف للحكايات التلفزيونية التي تستلب عقل المشاهد وتهمش وعيه، أنا ضد أن يمارس التلفزيون سلطته المادية على فناني المسرح.
سمير :(برماً) ولكن المسرح لايطعم خبزاً يا أستاذ (يحاول الأستاذ فتحي أن يرد على سمير بحدة، فتقاطعه وفاء).
وفاء : بل يطعم شهداً يا فنان.. هل تعرف أن عدداً لابأس به من نجوم السينما في أوربا لاذوا بالمسرح في الآونة الأخيرة؟
برهان : بعدما دُججت خزائن البنوك بأموالهم جاؤوا ليتسلوا على خشبة المسرح.
وفاء : بل جاؤوا ليتمتعوا، ليشعروا باللذة التي لايعرفها إلاَّ من وقف على الخشبة
)تلتفت إلى الأستاذ فتحي)، أليس كذلك أستاذ؟.
سمير : كلام.. كلام.
الأستاذ فتحي : هذا ليس كلاماً.. بل حقيقة.. ولنؤجل هذا النقاش إلى وقت آخر لو سمحتم ولنبدأ العمل، هذا النص الجديد الذي بين أيدينا سيحدث هزة.
سمير :(بصوت منخفض) وكم من هزات تحدث دون أن يشعر بها أحد.
الأستاذ فتحي : دعونا نقرأ النص.
غسان : هل ستوزع الأدوار اليوم يا أستاذ؟
الأستاذ فتحي : قد أوزعها اليوم.
سعاد : لقد حفظنا الأدوار تماماً.
الأستاذ فتحي : طيب.. لنقرأ المسرحية مرة أخرى.
سعاد : ولكن ليس قبل أن نشرب الشاي.
هيثم : اليوم دور برهان.
برهان : من يومين كان دوري..
)لغط بين أعضاء الفرقة وقد ساد جو من الودِّ والتفاهم).
الأستاذ فتحي : لاتختلفوا.. الورقة معي.. لحظة
)يبحث عن ورقة في حقيبته ثم يقرأ فيها) اليوم دور غسان بتحضير الشاي ودور برهان بغسل الفناجين..
إطفـــــاء
المشهد الثاني
)مكتب على يمين المسرح، يجلس خلفه رجل في الأربعين من عمره، يبدو منشغلاً جداً بمكالمة هاتفية، بينما يجلس شخصان لايتكلمان، بل يتبادلان النظرات فيما بينهما وانتظار صاحب المكتب، يمكن أن يكون كلام هذا الرجل باللهجة العامية)
عبد الغفار : ياحبيبي.. ياحبيبي لانستطيع الانتظار أكثر من ذلك. داهمنا الوقت يا أستاذ عبد اللَّه...الله يرضى عليك فريق العمل جاهز، والمخرج ينتظر هناك في الفندق.. ( صمت) لا يمكن أن يبدأ التصوير قبل أن نؤمن له بطل المسلسل يا عيني. (صمت) طيب هل اتصلت بـ نوري؟ (صمت) ماذا تقول؟ طلب مبلغاً أكبر من المبلغ الذي طلبه شهير؟ أصبحوا نجوماً الآن! طيب ولكن الحق ليس عليهم. حاول أن ترى صبحي السالم، وقل له إن الحلقة بـ15000 (صمت) ماذا؟ يريد أن يقرأ السيناريو! ياسلام.. ياسلام.. حتى صبحي صار يضع شروطاً.. (صمت) أخي لاتتصل بأحد.. أنا مسافر الآن، ولن أتصل بأي ممثل وسأتحدى المخرج بممثل لم يقف أمام الكاميرا في حياته (صمت)،.. أخي هناك يوجد عشرات الممثلين الذين يشتغلون في المسرح، وسأختار منهم بطلاً للمسلسل بألفين للحلقة الواحدة. لست أنا الذي يلوي ذراعه ممثل، مع السلامة.. (يضع السماعة.. ثم يلتفت إلى الضيفين)
واللّه لم يعد ينقصنا إلاّ هؤلاء الممثلين الذين يظنون أن التلفزيون سيتوقف عن العمل من دونهم.. أنا سأصنع نجماً جديداً في هذا المسلسل، وعندما يغتر هذا النجم، سأصنع نجماً آخر في مكان آخر.. الممثلون أكثر من الهمّ على القلب. (يأخذ السماعة، ويطلب رقماً..)
ألو.. أستاذ فوزي.. كيف الحال؟ كيف الأولاد؟ كيف الطقس عندكم؟ أخي.. الأستاذ فرزت عندكم الآن.. وأنا سأصل إليكم غداً صباحاً. أريد أن ألتقي مع الممثلين الموجودين عندكم في الساعة الخامسة بعد الظهر (صمت) في الخامسة تماماً.. أكون مع الأستاذ فرزت.. أرجو أن تخبر الجميع أننا سنجري لهم امتحاناً سريعاً، (صمت)..
الأدوار مهمة جداً.. لايوجد أقل من عشرين مشهداً.. ناهيك عن دور البطولة، (صمت) نعم بطولة المسلسل ستكون من عندكم.. (صمت) نعم.. نعم اتصل بالجميع الصغير والكبير.. شكراً.. إلى اللقاء.
)يضع السماعة يلتفت إلى الضيفين) أنا آسف ولكن كما تلاحظون. فإن القضية مستعجلة ومهمة جداً.. بعدما اتفقنا مع الممثل، اكتشفنا أنه متفق مع ثلاثة مخرجين في وقت واحد..
وعندما شعر الآخرون أننا في ورطة.. أصبحوا يطلبون مبالغ خيالية. حتى صبحي السالم الذي لم يعمل منذ سنتين، يريد أن يقرأ السيناريو قبل أن يوقع العقد.. ماشاء اللّه.. ماشاء اللّه.
بهج : (مجاملاً) لاتغضب أستاذ.. الممثلون كثر، وبإمكانك أن تطلب أيَّاً كان وبأي مبلغ.
عبد الغفار : لا.. كلهم أصبحوا يعرفون اللعبة الآن، ولم يعد أحد يقتنع بالقليل..
ابراهيم : نحن أتينا في وقت غير مناسب، ولكن لابدَّ من معرفة مصير نص الأستاذ بهجت (يشير إلى الشخص الجالس بجانبه)
عبد الغفار : أنت قدمت لنا نصاً أستاذ؟
بهجت : نعم.. وكان بعنوان كبرياء شاعر.
عبد الغفار : آه.. تذكرت.. أعاده مستشارنا الدرامي من يومين، وأعتقد أن التقرير هنا(يبحث بين الأوراق المبعثرة على مكتبه)
بهجت : هل وافق المستشار الدرامي على النص؟
عبد الغفار : (مازال يبحث عن التقرير) للأسف لقد رفض النص.. ها.. هاهو التقرير.. يقول التقرير ياسيدي (يبدأ بقراءة التقرير) يتحدث نص عن عبقرية شاعر..
بهجت : (يقاطعه) كبرياء شاعر.
عبد الغفار : ذات الموضوع.. ذاته.. شاعر نشأ في بيت فقير، تعلم اللغة على يد أبيه... (يقرأ بطريقة سريعة ولايفهم من كلامه شيء).. المهم.. نصل إلى الرأي الفكري.. يقول المستشار الدرامي إن بطل الحكاية، رجل عبقري يشقى بعقله، ونحن نتفق مع الكاتب في رؤيته، ولكننا نختلف معه في اعتزال المثقف عن عالمه، والانطواء على ذاته، فمن ذا الذي طوَّر العالم، وبنى هذه السلسلة الطويلة من الحضارات في تاريخ البشرية، وارتقى بها إلى ماهي عليه الآن؟
ابراهيم : (يحاول أن يتدخل) ولكن ياأستاذ.. شخصية المتنبي..
عبد الغفار : (يقاطعه، متابعاً قراءة التقرير) أليس الإنسان المتفرد بالذكاء والفكر القادر على المحاكمة، أو على الإبداع؟
بهجت : ولكن ياأستاذ.. الشخصية معروفة...
عبد الغفار : (يقاطعه متابعاً قراءة التقرير بطريقة آلية) فلو أن مثل هذا الإنسان، اختار العزلة والانطواء على الذات، منساقاً مع ازدرائه للآخرين البسطاء لظلت الحياة البشرية حتى الآن تراوح في طور النشوء، دون بلوغ طور الارتقاء... إن الفكر والثقافة يؤديان إلى الوعي بطبيعة الحال، والوعي يعني المسؤولية، والتقرب من صفوف الشعب، لا الابتعاد عنه واحتقاره، والشاعر يحتقر الصغير والكبير، ومن غير المعقول أن يزدري الشاعر مجتمعه الذي نشأ فيه وتعلم منه.
بهجت : هذه شعارات لاعلاقة للنص بها لامن قريب ولامن بعيد.
عبد الغفار : الرأي الفني.. يقول المستشار المعتمد لدينا إن السيناريو جيد جداً، ويدل على موهبة أصيلة في هذا المجال.
بهجت : (يضحك) هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها سيناريو للتلفزيون ياأستاذ، ولكن عندي عدد كبير من القصص والمسرحيات المطبوعة والمنشورة...
عبد الغفار : الرأي النهائي؟ نقول مع الكاتب: ذو العقل يشقى هذا صحيح، ولكنه شقاء القائد الذي يحقق معادلة فريدة من نوعها في هذه الحياة لأنه شقاء لذيذ، وشقاء يحقق لصاحبه قيمة فريدة أيضاً. فبهذا يسمو، لا بالاعتزال والتكبر، وهكذا فإننا نختلف مع الكاتب في أن نصه سلبي تماماً ولايمكن قبوله (يضع التقرير جانباً)، أنا آسف أستاذ.
بهجت : (وقد كتم غيظه) شكراً.. شكراً ياأستاذ على تلاوتك للتقرير لقد أتعبت نفسك.. وشكراً للمستشار الدرامي العتيد الذي أجهد نفسه بقراءة أكثر من ألفي صفحة، وأشكره على رفضه للنص، لأنه سلبي (ينظر إلى إبراهيم).. وأشكره جداً على إطرائه بأن السيناريو جيد جداً ويدل على موهبة أصيلة في مجال كتابة السيناريو، لكن هل بإمكاني أن أحتفظ بهذا التقرير ياأستاذ.
عبد الغفار : بالطبع لا.. فالتقرير سيسجل في الديوان، ويحفظ في الأرشيف، وليس من حق أحد الاطلاع عليه سوى صاحب العلاقة، وهذا مافعلناه الآن.
إبراهيم : ولكن يجب أن تعلم أيها السيد، بأن الأستاذ بهجت وهو باحث وأديب معروف، قضى ثلاث سنوات في البحث عن شخصية شاعرنا العبقري المتنبي وقدَّم دراما تشرف التلفزيون العربي، وإذا كان المستشار ليس من محبي الشعر العربي القديم، أو أنه لايحب شخصية المتنبي، فإن ذلك لايسوِّغ له رفض النص.. هو قال إن السيناريو جيد ويدل على موهبة أصيلة في فن كتابة السيناريو، فليدع للكاتب حرية تقديم شخوصه، مستشاركم الدرامي رفض المتنبي يا أستاذ ولم يرفض الأستاذ بهجت.
بهجت : دعهم يرفضون كما يشاؤون.. كنت أعرف أن الجوَّ موبوء، ولكن لم أكن أعرف أنهم قادرون لهذه الدرجة على تسفيه الأعمال الجادة، وتسويق الأعمال الهابطة.. من يقرأ هذا التقرير، يقول، ياللموضوعية، ياللجدية ، ياللمسؤولية.. وياللثقافة العالية، ولكن عندما يتذكر أن ثمة كتاباً تقبل أعمالهم، وهم لاعلاقة لهم لابالكتابة ولابالأدب ولابالتلفزيون، فإنه يصاب بإحباط ويشعر بالمرارة (بصوت عالٍ).. أنا سأكتب في الصحف والمجلات ياأستاذ.. سأفضح هذه الأوضاع التي يتغذى فيها الطفيليون ويجوع المبدعون الحقيقيون.. أنتم لاتبحثون عن الأصيل والجديد، بل تطلبون الهابط والتافه.. قل لي من فضلك من هو هذا المستشار الدرامي، حتى أتشرف بزيارته وأناقشه.
عبد الغفار : (وقد نهض من خلف مكتبه).. ياأستاذ.. قلت لك قبل هذه المرة.. اكتب شيئاً عصرياً.. دعك من التاريخ والبحث والتنقيب.. اذهب إلى الأحياء القديمة.. إلى الأسواق الشعبية، وستتعرف على ألف حكاية وحكاية.. الجمهور يُقبل على السهل، ويعزف عن الصعب والمعقد.
إبراهيم : هذا ليس صحيحاً.. أنتم تسعون وراء السهل لأنه يوفر عليكم و...
عبد الغفار : (يقاطعه).. أنا آسف.. ولكن لابدَّ من الذهاب، فنحن مقبلون على عمل ضخم كما سمعت ويجب عليَّ أن أنهي بعض الأعمال .
بهجت : (غاضباً) إن الرساميل الخاصة التي اقتحمت التلفزيون باحثة عن مشاريع واستثمارات لايهمها الفن ولاتفتش عن الفكر ولايعنيها ذوق المشاهد.. إن كل ماتفكر به يتلخص بأرقام نقدية سخرت للحصول على أرقام أكبر. ولكن صدقني ياأستاذ.. لن يصح إلا الصحيح.
عبد الغفار : (محافظاً على برودة أعصابه)، يا أستاذ بهجت.. أنت قدمت نصاً، ونحن قرأناه، ورأينا أنه لايتناسب مع الخطة الإنتاجية لشركتنا، بإمكانك أن تعرض هذا النص على شركات أخرى أو على التلفزيون، قد يناسبهم هذا العمل...
إبراهيم : ولكن مستشاركم الدرامي رفض النص لأن الشاعر سلبي في مواقفه مع أبناء مجتمعه، ولم يقل إن النص يكلف مبالغ كبيرة، بما أن الأمر يتعلق بالكلفة الإنتاجية، فلماذا يتنطع هذا المستشار لنقد النص، ويدجج تقريره بشعارات طنانة بعيدة كل البعد عن الموضوعية والمنهجية، ليقل إن كلفة النص كبيرة وينتهي الأمر.
عبد الغفار : ياأستاذ إبراهيم، إن نص الأستاذ بهجت لم يرفض لأن كلفته باهظة وحسب، بل لأنه خرق البنود التي توجب المنع المعروف لدى الجميع.. هذا العمل لايسوق إلا في بلد أو بلدين.. وبالتالي فإن الخسارة ستكون فادحة.
ابراهيم : تقصد أن الربح لن يكون فادحاً، ولماذا نقبل بهذه البنود الوافدة إلينا؟ ياسيد عبد الغفار، إذا سلمنا بهذه البنود، فإننا سنرى فناً هابطاً يفتك بالثقافة والفكر ويخرب حياة الناس.
عبد الغفار : (ينظر إلى الساعة في يده) نحن نتعامل مع السوق.. والسوق له قوانينه ياأستاذ إبراهيم.
أنت صديق قديم وتعرف هذا الأمر جيداً، وأرجو أن تشرحه للأخ بهجت.. أنا آسف ولكن يجب علي أن أذهب الآن.. ويكفيني ماأنا فيه مع الممثلين النجوم.
ابراهيم : (يتأهب للخروج مع بهجت) صديقي بهجت ليس منزعجاً لأنه يعرف أن هذا الزمان ليس زمان الفن الراقي والفكر الواعي.. إنه زمان الطفيليين أمثال كاتبكم السيد عزيز الذي ستبدأون بمسلسله الجديد.. ولكن لاتظن أن الممثلين أمثال صبحي وشهير ونوري رفضوا المشاركة في هذا العمل لأنهم مشغولون بأعمال أخرى، بل لأنهم يرفضون كاتبكم ياأستاذ.. هذا الكاتب الذي يداهم أرشيف النصوص المرفوضة أو المؤجلة أو تلك التي غيب الموت أصحابها وينسبها لنفسه.. كاتبكم شبه أمي ولص ياأستاذ عبد الغفار.. ولكن هؤلاء الكتاب المزعومين هم الذين يناسبون زمانكم (يلتفت إلى بهجت) تفضل أستاذ بهجت.
إطفـــــاء
المشهد الثالث
( الفرقة المسرحية وقد انتهت من تناول الشاي، وبدأت الحوارات حول تحليل شخصيات المسرحية)
الأستاذ فتحي : هذه البيوت الفقيرة التي يقطنها الناس البائسون يمكن تجسيدها بطريقة عرض السلايدات.. ولكن المهم هو إبراز بشاعة الحياة التي يعيشها هؤلاء الأشخاص، وهذا يحتاج إلى مقدرة الممثلين..
سمير : ولكن ياأستاذ ماهذه الكوميديا التي تتحدث عن أناس منسيين مظلومين مقهورين ينامون مع حيواناتهم في مكان واحد؟
الأستاذ فتحي : الكوميديا التي نقصدها يا أفندي، ليست تهريجاً.. إنها الكوميديا السوداء التي تصعق المتفرج وتؤلمه.. نحن لانريد من الناس أن يضحكوا علينا، بل أن يضحكوا معنا من المصائر العجيبة الغريبة التي وصل إليها أبطال حكايتنا.
هيثم : على منهج شر البلية مايضحك..
الأستاذ فتحي : تماماً.. فكلما كنا جادين في تقديم شخصيات مسرحيتنا، وكلما ابتعدنا عن افتعال المواقف المضحكة، كلما اقتربنا من خلفية التهكم والسخرية التي تبني أفعال شخصياتنا، وبالتالي وصلنا إلى عقل المتفرج ووجدانه، ويجب أن يخرج المتفرج من المسرح، صامتاً متأملاً مفكراً، غير قادر على الطعام والشراب واللهو والتسلية..
سمير : ولكنَّ هذه المسرحية تراجيديا، وليست كوميديا سوداء أو بيضاء أو حتى رمادية.
الأستاذ فتحي : يجب أن تقرأ كثيراً حول فلسفة الضحك حتى تفرق بين الكوميديا والتهريج..
سمير : (مع نفسه) أصبح للضحك فلسفة عند مخرجنا الهمام..
(يرن جرس الهاتف.. يرفع الأستاذ فتحي السماعة)
الأستاذ فتحي : أهلاً.. أهلاً أستاذ فوزي. الحمد للّه الأمور على أحسن مايرام... نعم لقد بدأنا التدريبات على المسرحية الجديدة(صمت).. أه ولكن أنت تعرف موقفي من هذا الأمر ياأستاذ فوزي، وعلى العموم لا أستطيع أن ألتزم معكم حتى لاتتعارض مواعيد التصوير مع مواعيد البروفات.. طيب.. طيب، سأخبر الفرقة بالأمر(صمت) غداً الساعة الخامسة مساءً؟.. طيب.. شكراً.. مع السلامة(يضع السماعة ويلتفت إلى أعضاء الفرقة وقد بدا على وجهه الانزعاج).
برهان : خير أستاذ.. ماذا يريد الأستاذ فوزي؟
سمير : بالتأكيد بخصوص المسلسل.
الأستاذ فتحي : نعم.. بخصوص المسلسل، يقول إن الأستاذ فرزت، والأستاذ عبد الغفار مدير شركة البواريدي للإنتاج التلفزيوني سيلتقيان مع الممثلين غداً الساعة الخامسة مساءً.. ويقول أيضاً إن دور البطولة سيكون من هنا بعد أن يجري لكم امتحاناً.. المهم أن نعود إلى مسرحيتنا.
سمير : دور البطولة سيكون من هنا؟.. يعني..
الأستاذ فتحي : (مقاطعاً) قلت لكم من قبل، من يريد أن يعمل معي، فعليه أن ينسى التلفزيون على الأقل في الفترة التي نحضر فيها للعرض المسرحي.
سمير : ولكن يا أستاذ.. هذه فرصة ثمينة ومن غير المعقول أنك لاتريد لنا الخير..
الأستاذ فتحي : لاأريد لكم الخير؟.. أنت بالذات لايحق لك الكلام بهذه الطريقة، وعلى العموم، فأنا لا أمنع عنك أو عن غيرك الخير، إن شئت فاذهب إلى الموعد، ولكن اعلم أن ذهابك إلى الموعد يعني اعتذارك عن المشاركة في المسرحية.
سعاد : هو لا يقصد..
سمير : بل أقصد، وسأذهب إلى الموعد، وهذه فرصة جاءت إليَّ ولن أضيعها، مع اعتذاري من أستاذي الذي علمني أشياء كثيرة مهمة. ولكن لابدَّ من أن تقدِّر وضعي يا أستاذ وأنت الذي يعرف كل شيء.
الأستاذ فتحي : اذهب واغتنم فرصتك، مع تمنياتي لك بالخير. وإن شاء أحدكم أن يذهب معه، فليذهب.
(يسود اللغط بين أعضاء الفرقة يتجه سمير نحو الباب، يلتفت وراءه، فيشيح الجميع بأنظارهم عنه، يتردد قليلاً ثم يخرج)
برهان : نحن التزمنا معك أولاً، ولن نذهب إلى التلفزيون.. مارأيكم ياشباب..
(أصوات متفرقة تؤيد موقف برهان)
الأستاذ فتحي : إذن لنبدأ العمل.
برهان : (إلى الأستاذ فتحي) لاتغضب أستاذ، فكلنا نعرف أن سميراً تغير كثيراً في الآونة الأخيرة ولم يعد يعجبه أحد.
سعاد : سميرُ يعيش ظروفاً قاسية ولايجوز أن نظلمه.
الأستاذ فتحي : سعاد معها حق.. فسمير إنسان جيد ويجب أن نفهمه ونفهم تصرفاته.
هيثم : كلنا نعاني من أزمات اقتصادية ولكن هذا لايعني أن نتخلى عن المسرح بحجة أنه لايحل لنا أزماتنا الاقتصادية، سمير يبحث عن الشهرة حتى لودفع ثمن ذلك كل مالديه.. إنه يعد نفسه ممثلاً عظيماً ولابد من أن يثبت للجميع هذا الأمر، وبكل الوسائل.
وفاء : ولكن سمير ممثل جيد فعلاً وهو في كل الأحوال أفضل من ممثلين كثيرين يعدون أنفسهم نجوماً.
غسان : نعرف جميعاً أن الأعمال التلفزيونية التي تأتي إلينا، لاتتعامل معنا إلا كممثلين صغار لايكلفون شيئاً.
برهان : يسرقون منا أكثر مما يقدمون.. فهم يوفرون الإقامة والطعام ويعطوننا أبخس الأجور، كقطاع خاص.
سعاد : بالإضافة إلى المعاملة السيئة التي يعاملوننا بها..
هيثم : صحيح أنهم يستغلون أوضاعنا الاقتصادية البائسة، ولكن الحق علينا عندما نقبل، وهاهو سمير يعرف كل ذلك ويذهب إليه ذليلاً، يظن المسكين أنهم سيصنعون منه نجماً.
الأستاذ فتحي : سمير يحتاج إلى المال.. ولا أعتقد أنه يعرف مثلما تعرفون.. ولكن مايريده هو المال مهما كانت الوسيلة.
برهان : انتهازي..
الأستاذ فتحي : لا.. ولكن وضعه العائلي قاس جداً، وأعتقد أنه يعاني أكثر مما يعاني غيره.. معظمكم طلاب والمستقبل أمامكم أما هو، فإنه فشل في الدراسة ولم يعد له من أمل سوى التمثيل .. إنه على حق، وأنا لست ضده ولكن كنت احب أن ينتظر قليلاً ويفرض نفسه في أعمال مهمة، لا أن يقبل بالرخيص لأنه سيضيع ولن يحقق شيئاً.
وفاء : كلنا نحب أن نعمل في التلفزيون في يوم من الأيام.. ولكن هؤلاء الذين يصورون المسلسل الجديد مع شركة البواريدي.. هم من عالم تجارة التجزئة، فاللعنة عليهم وعلى الفن الذي سيقدمونه..(إلى الأستاذ فتحي) تصور أستاذ.. يسهرون يومياً حتى الصباح في الملاهي وينفقون مبالغ باهظة على سهراتهم، وعندما يوزعون دوراً في اليوم التالي، فإنهم يساومون على المبلغ وكأنهم في سوق الخضار (تقوم وفاء ويشاركها زملاؤها بتمثيل مشهد إيمائي من سهرات هؤلاء الناس، وتلعب وفاء دور المغنية الراقصة وتنهال عليها التحيات والأوراق النقدية. يستمر المشهد قليلاً مع ضحك الممثلين وهذرهم، فيوقفهم الأستاذ فتحي).
الأستاذ فتحي : أعرف.. كل مايفعلونه ولهذا السبب لاأحب أن تندفعوا وراء رغباتكم وتقبلوا بأي شيء وبأي ثمن.
سميرة : مسكين سمير..
الأستاذ فتحي : طيب دعونا الآن نتعرف على بطل حكايتنا لؤي.
إطفــــــــاء

Tidak ada komentar:
Posting Komentar