Minggu, 16 Maret 2008

CUPLIKAN: NASKAH DRAMA

عــلـي الــمـزعـل

آخــر لــحـظــات طـفـولـتـي
عرفت الحرب أول مرة في حياتي حين كنت في السابعة.‏
مساء، الشمس تتدلى للالتحام مع الأفق، ورطوبة المساء المنعشة بدأت تلف البيوت الطينية العتيقة، لتمتص منها وهج النهار، ومواشي القرية تغادر مراعيها في طريق العودة، وكبار السن يتربعون على مصاطبهم الطينية أمام الأبواب الخشبية الهرمة، وثمة طيور في السماء تبحث عن مبيتها فوق الأشجار التي بدأت ذؤاباتها تنحني قليلاً امام هبات الريح المسائية اللطيفة.‏
في هذا الوقت تماماً كنا نلعب على بيادر القرية، أكبرنا لايتجاوز العاشرة، كنا نلعب بكرة قماشية صنعناها بأنفسنا... تضيع أجسادنا وسط الغبار ونحن نتدافع نحو الهدف كل منا يريد الوصول.. يتعثر بعضنا ويمضي آخرون.. ويتكوّم الجميع في زاوية مامن الملعب الترابي ثم ننهض متفرقين وقد علا صراخنا استعداداً لجولة جديدة.‏
فجأة توقف كل شيء، غاب الصراخ وتباطأت حركة الأقدام حتى تلاشت تماماً، وتسمرت عيون الجميع نحو سيارة قادمة على الطريق الترابي الوحيد المؤدي إلى القرية وهي تلتف بزوبعة من الغبار، تتكاثف حيناً وتنقشع أحياناً كلما هبت ريح المساء.‏
وحين اقتربت أكثر هب الجميع لملاقاتها، ... ركضنا خلفها، صارت أجسادنا اشباحاً تتسابق وسط الغبار، وتعالت صيحاتنا، وارتفعت الأيادي النحيلة بالتلويح للجنود الذين يطلون من نوافذها... نلامسها حيناً وتبتعد عنا أحياناً وهي تجتاز حفرة من حفر الطريق.‏
وحين دخلت القرية انطلق بوقها بالصراخ فاحتشد الناس على الجانبين واعتلى بعضهم أسطحة المنازل، وارتفعت الراحات تظلل العيون الهرمة.‏
قال رجل عجوز: يارب سترك.‏
وقال آخر: رحماك يا الله.‏
وكانت المفاجأة أن السيارة توقفت أمام بيتنا تماماً، تقافز منها الجنود توحدت ملامحهم مع ملامح الفلاحين ولم يعد يميزهم إلاّ شاراتهم العسكرية وقسمات وجوههم التي امتزج فيها الحزن والقسوة والحنان.‏
أشرعت باباً خلفياً انكشف عن تابوت خشبي يلتف بعلم ملون هو ذاته الذي نراه كل يوم يرفرف على مدرسة القرية... حمله الجنود على أكفهم ودخلوا أرض الدار، ..عقدت الدهشة ألسنة الجميع، حتى أمي لم تنطق بكلمة، تعلقت عيناها بأطراف التابوت ووجوه الجنود التي لفحتها الشمس والغبار.‏
قال أحد الجنود وهو يحاول جاهداً أن يباعد بين شفتيه:‏
هذا جثمان الرقيب محمود.. وبعد صمت أردف قائلاً:‏
قضى وهو يعارك العدو الذي حاول اجتياز مواقعنا يوم أمس..‏
كان شجاعاً رحمه الله، لم يوص شيئاً.‏
ثم وضع رزمة من الاوراق بين يدي أمي المرتجفتين، واستدار سريعاً وهو يداري الدموع التي انساحت على وجنتيه ويحاول عبثاً التخلص من اسئلة الفلاحين ولغطهم الذي أحاط به من الجوانب كلها.‏
عندها تعالت الأصوات بكاءً، وزغاريدَ، وغضباً واصراراً على الثأر.. وحين حملني أحد الرجال وهو يقبل جبيني قائلاً:‏
غداً ستكبر وتنطلق إلى هناك، حيث دماء أبيك ورفاقه... عندها عرفت تماماً أن الشهيد أبي، وعندها عرفت معنى الحرب، وقرأت في عيني أمي، كيف يكون المرء شجاعاً، وكيف يكون المرء صابراً ومحباً.‏
وكانت تلك اللحظة آخر لحظات طفولتي، كبرت أحلامي فجأة، غادرت الفراشات الملونة ذاكرتي إلى الأبد. وصارت البنادق حلماً يراودني كل يوم، وامتلأ صدري بكل إيمان الرجال.‏
فمن قال أن الأطفال لايعرفون الحرب

أســـرار وجـــه
كانت المرة الأولى التي رأيت فيها هذا الرجل، حين قدمت إلى هذه القرية الحدودية التي تقع تماماً قبالة التلال المحيطة بمدينة القنيطرة، كتل (أبو الندى، وتل الشيخة، وتل عرّام) وغيرها من التلال الصغيرة المتخاصرة على طول الحدود.‏
في ذلك اليوم، نهضت من فراشي باكراً، وأنا محمَّل بأحلام وهواجس الليلة الفائتة التي يعاني منها عادة أي قاطن جديد في مكان لايعرف عنه الكثير. كان الجو بارداً يلسع وجوه المارة بمياسمه المحملة برذاذ ثلجي لم أكن معتاداً عليه طوال السنوات الماضية التي قضيتها في دمشق.. وحين نظرت إلى قمة جبل الشيخ خيل إلي أن هذه الريح الشمالية ستظل محملة بالثلوج إلى مالانهاية.‏
كان المارة يلتفون بمعاطفهم مسرعين إلى أماكن عملهم، وقضاء حاجاتهم في اتجاهات مختلفة من المناطق المحيطة بالقرية، وأطفال المدارس يسيرون جماعات متراصة يحتمي كل منهم بالآخر ويطلون برؤوسهم من ياقات معاطفهم الفروية المهترئة.. حتى تكاد لاترى إلا عيونهم وهي تحاول عنوة مقاومة الريح، وأصابع أيديهم المحمرة وهي تقبض على حمالات حقائبهم المبللة..‏
في هذا الوقت بالذات كنت متجهاً إلى المخبز الآلي الواقع جنوب القرية وحين وصلت كنت قد فقدت احساسي بأصابع قدمي، حيث تحول حذائي إلى قطعة من ثلج. وقفت خلف طابور طويل يصطف أمام النافذة التي يطل منها رأس البائع الملون بذرات الطحين، التي أكسبت ملامحه لوناً خاصاً ربما لايشاهده المرء في أي مكان آخر..‏
وشيئا فشيئا بدأت اقترب من النافذة، يجذبني إليها... ذاك التيار الحار المنبعث من داخل المخبز والمحمل برائحة الخبز الطازج وهو يجتاز دائرة النار ليستقر أمامنا عبر النافذة الضيقة، ورغبتي العارمة في العودة سريعاً إلى منزلي الجديد.. خلال هذه الفترة من الانتظار كان ثمة رجل يلتف بمعطف عسكري قديم، وعلى رأسه التفت بإحكام كوفية بيضاء مخططة، حتى غطت معالم وجهه تماماً وعلى عينية ارتكزت نظارة سوداء، حتى صار من الصعب تمييز ملامحه. كان يحتمي بجدار قديم من الإسمنت المسلح ويضع أمامه كومة من الأكياس البلاستيكية السوداء، وكلما خرج أحدنا من الطابور المصطف أمام النافذة أومأ برأسه.. كيس ياسيد. كان بعضهم يقف أمامه مصافحاً، ثم ينقده بعض الدراهم ثمناً للكيس الذي تناوله على عجل، وبعضهم لايأبه لندائه ويواصل السير مسرعاً دون أن يلتفت إليه. وحين خرجت حاملاً أرغفة الخبز الساخنة التي منحتني شيئاً من الدفء حتى صار بإمكاني تحريك أصابعي، سمعت النداء ذاته.. كيس ياسيد.. وقفت أمامه برهة تناولت كيساً ونقدته ليرة أو ليرتين .. لا أذكر ثم تابعت السير دون أن يعني ذلك لي شيئاً، سوى بعض الرثاء لوضع هذا الرجل الذي يجلس طيلة النهار في مواجهة الريح الشمالية الباردة.‏
صار منظره مألوفاً لديَّ، ففي كل يوم يتكرر المشهد ذاته، وتتكرر العبارة ذاتها‏
- كيس ياسيد..‏
الأمر الذي أثار فضولي، أن هذا الرجل ظل ملتفاً بكوفيته ونظارته السوداء رغم انتهاء فصل الشتاء وانحسار موجة البرد القارسة، حتى صار هاجسي التعرف إليه بأي شكل من الأشكال..‏
.. ذهبت بي الظنون إلى أفكار شتى، وساورتني مشاعر خاصة عكست حساسيتي تجاه هذا النوع من الرجال، وتنازعتني الأسئلة:‏
لماذا يلتف بكوفيته ونظارته السوداء رغم هذا الدفء الربيعي المنعش؟‏
لماذا يصر على إخفاء ملامحه إلى هذا الحد؟‏
ولماذا هذا العمل بالذات رغم القدرة الجسدية الواضحة التي تبدو في حركة يديه وتقاطيع جسده ونبرات صوته؟‏
ثم لماذا هذا المكان بالذات؟‏
أسئلة كثيرة تتنازعني في كل يوم، حتى أنه أحس بذلك تماماً عبر نظراتي المتلاحقة والمستنفرة في كثير من الأحيان.‏
سألني ذات يوم.. لماذا تنظر إلى هكذا؟‏
ألم يعجبك منظري؟..‏
ثم ضحك وهمهم بكلمات لم أفهمها، الأمر الذي أثار فضولي أكثر، حتى صار همي أن أذهب إلى المخبز كل يوم، لامن أجل الخبز فقط بل من أجل معاينة هذا الرجل والتعرف إليه.‏
قلت لأحدهم بعد أن صافحه:‏
هل تعرف هذا الرجل؟‏
ضحك.. ثم قال: اسأله وهو يجيب!..‏
رمقته بنظرة سريعة وتابعت السير، وظل هاجسي تلك الليلة أن أعود صباحاً لأعرف من هو تحديداً..‏
سأسأله هذه المرة مهما تكن النتيجة، رغم معرفتي الأكيدة أن ليس لي الحق في ذلك... صباحاً كنت الأول في الطابور الذي بدأ بالتشكل لحظة بعد لحظة، حملت أرغفة الخبز واستدرت سريعاً.. وجاء الصوت المألوف..‏
.. كيس ياسيد.. وقفت قبالته، وقد بدت علي علامات الحيرة والارتباك.. نظرت في وجهه متفحصاً ملامحه وقد حاول التشاغل عني بترتيب رزم الأكياس الموجودة أمامه وبدت على يديه علامات استنفار واضحة، وبين وجهي ويديه المستنفرتين تراقصت نظارته السوداء.‏
فجأة بدد حيرتي وقوفه السريع على نحو يوحي بقدرة جسدية هائلة حتى صار وجهه مقابلاً لوجهي تماماً.‏
قال بنبرة حادة:‏
أنت تحاول أن تعرف سر وجهي، أليس كذلك؟..‏
قلت مترددا: لا.. لا.. هذا أمريخصك.. قلت ذلك وأنا مرتبك إلى حد كبير. قال: بل أنت تحاول ذلك منذ زمن، وقد أزعجتني سهام عينيك المريبة في كل مرة قدمت فيها إلى هذا المكان.‏
ثم امتدت يداه بسرعة خاطفة لتنزع الكوفيه عن رأسه ووجنتيه، والنظارة السوداء عن عينيه اللتين حلمت برؤيتهما طويلا.‏
تملكني الذهول، واعترتني الدهشة، وارتعد جسدي وأنا أرى أمامي رجلاً بلاأنف وقد غابت إحدى عينيه تماماً، حيث خلفت وراءها حفرة التأمت أطرافها فوق وجنة مشوهة كأنما احترقت على نار جهنم.‏
قال: أنا الرقيب أول محمود الهايش ياسيدي.. أقصد كنت الرقيب أول محمود الهايش.‏
قلت وقد لفني الحزن والندم والحيرة.‏
لم أقصد اثارتك ياأخي!‏
قال: أنا أجلس في هذه المنطقة لاحباً بنقودك، ولارغبةً في مشاهدة هذه الوجوه الصفراء الميتة.‏
كل مافي الأمر أني أجلس هنا في كل يوم لأشاهد تلك التلال المتعانقة على طول الحدود.‏
قلت وقد تماسكت قليلاً:‏
وماشأنك بذلك؟‏
قال: وقد طفحت عينه بالدموع.. ألا ترى ذلك التل ياأخي؟‏
//تل أبو الندى//‏
قلت: نعم أراه جيداً..‏
قال: على سفحه الشمالي غرست قطعة من جسدي وبترابه الطاهر امتزج دمي..كل الأجزاء التي لاتراها الآن في وجهي هي هناك.. هناك تحديداً.‏
هل عرفت الآن من أنا؟.. قال ذلك وقد رق صوته رغم التحدي الواضح في كل ملامحه.‏
وحدّ الصمت وجهينا، وابتلت الأهداب بدموعها... وتقافزت نظراتي بين ذاك التل الأشم في عمق الوطن المحتل، و هذا الأنف المقطوع والوجنة المحترقة التي تقف قبالتي الآن.‏
عانقته.. ارتجفت أكتافنا، تساقطت بعض أرغفة الخبز لتملأ الفراغ بين جسدينا. ثم انصرفت مسرعا وقد تعلقت عيناي بتل /أبو الندى/ حتى
خيلَّ إليَّ أن هذا التل على ضخامته هو أنف الرقيب محمود الهايش ذاته

رجــــال مـــع الــــفـجـــر
حين زل القمر عن قبة السماء، كانت مجموعة من الرجال، ومجموعة من البنادق داخل تجويف صخري تغطي أطرافه أشواك البلان والأعشاب البرية، وأعواد القصب التي امتصت رطوبتها الأيام والشموس الحزيرانية اللاهبة، ومن أمامه تمر ساقية الماء التي ولدها نبع عين أم العظام الواقعة على بعد أمتار فقط من المنطقة المحرمة التي تفصل القرية عن فلسطين المحتلة، ومن فتحات الصخور تبدو أمامك بحيرة طبرية كبساط من فضة تغتسل على جنباته أضواء البيوت وظلال الجبال في عمق فلسطين، ينهض على أطرافها الضياء... صفد وسمخ والمجيدل والغوير وسهل الحولة وغور بيسان، وعلى أهداب البحيرة تبدو بحيرات الأسماك الصغيرة التي صنعها الخواجات لامعة تحت نجوم الليل. أنفاس وأحلام وآهات وأوجاع وبنادق وعيون تكاد تفر من محاجرها تحنو عليها الصخور الآن....‏
كانت عينا عوض المسعود تبرقان وسط الظلام الذي خلفه غياب القمر، ترتفع حاجباه قليلاً وتنفتح أهدابه فيصل إلى قمم الجبال التي بدت كخيام سود على صدر الأفق الغربي، أو كقافلة جمال تركض نحو الضياء الناهض على جنباتها، ثم يستدير قليلاً ليمشط بناظريه كتل الصخور والأعشاب والمعابر التي عرفها جيداً، وفي كل الحالات ينتهي به المطاف إلى مياه الساقية التي ولدها النبع والتي تنحدر غرباً راكضة عبر تعرجات الصخور..، مياه لها صفاء العين، ورقة الروح تلتمع رغم ظلام الليل. ظل يراقب الماء.. امتد به النظر حتى كاد أن يسبق الساقية، وما أن يصل إلى حالة انعدام الرؤية حتى يعود من جديد ليغمس ناظريه في ماء الساقية، ويصيخ السمع ليدقق الأصوات المرافقة لخرير المياه.... كثير من الحيوانات البرية وردت المياه.. شربت وتمطت ولعبت ثم نزحت إلى أعالي الصخور.. وكثير من الضفادع تقافزت فأحدثت صوتاً خاصاً لا يمكن لأحد أن يحس به إلا من يعش هذه اللحظة تماماً..‏
ليل ومياه ومعزوفات وحيوانات برية وأعصاب مشدودة وآذان تلتقط كل الأصوات.. تفرزها تحللها.. تعيدها إلى أصولها، وعيون استولدت دمعها نسائم الليل ونداه، وأضناها السهر والتعب والعشق والانتظار.‏
تمنى عوض المسعود لو يستطيع النهوض قليلاً ليشرب براحتيه شيئاً من ماء الساقية كما كان يفعل من قبل... أحس بالعطش.. امتص شفتيه بلع ريقه.. سوّى مكانه جيداً.. أراح عجيزته وانبطح على صدره، صار أخمص البندقية ملاصقاً لوجنتيه... ثم نهض من جديد، رفع رأسه قليلاً، ثم عاد إلى وضعية الاحتراس وأطلق ناظريه في كل الاتجاهات.. ليستقر أخيراً كما في كل المرات السابقة على سطح الساقية...‏
آخ... ماؤنا صار محرماً علينا!؟. أنا عوض المسعود الذي عاش في هذه القرية كما عاش أبوه وجده... لحم أكتافي من الأرض، ود ماء شراييني من مائها... أنا الآن لا أستطيع النهوض لأملأ حفنتي من ماء النبع الذي يحتفظ بصورة وجهي كما كل الوجوه في القرية!!.‏
خطر له أن أحداً ما على الطرف الآخر يحاول الآن أن يشرب من نهاية الساقية.. تمنى لو يستطيع في هذه اللحظة تماماً أن يمنع المياه من المسيل.. تمنى أن يجففها الآن أو يحول مسارها شرقاً... أو يعكرها على أقل تقدير. أمسك حصاة صغيرة ورماها في قلب الساقية، أحدثت صوتاً ناعماً ضاع مع سقسقة المياه، ونقيق الضفادع... أحس بشيء من الارتياح.. انتابه شعور بأن هذه الحصية قد عكرت صفو الماء ولو لحظة واحدة... تداخلت في رأسه الكثير من الأفكار والكثير من الوقائع والكثير من التساؤلات...‏
أليس كارثة أن يحتلوا أرضنا ويشربوا ماءنا!؟. أليس مصيبة أن لا أستطيع النهوض الآن، لأروي جوفي من ماء بلادي..!؟.‏
أنا الذي تعرفني الصخور والآكام والأشواك، والطرقات، وتراب الأرض!.‏
ما الذي حدث لهذا العالم!... الظلم لن يدوم.‏
لامس زناد البندقية وشد كوفيته حول رأسه جيداً وابتلع أنفاسه وعادت هواجسه من جديد... ساعات الفجر هي الأكثر خطورة، هكذا علمتنا التجربة.. في مثل هذه اللحظات يهجم النوم، وتسترخي الأجساد وتمتد الأحلام، وترق الروح وينكشف ستار الليل.. هم يعرفون ذلك كما نعرف نحن تماماً... حاول استنهاض همته كما كانت في اللحظات الأولى لمهمته... استنفر حواسه.. حاول مقاومة الشرود.. أوغل عينيه في بحر الصخور الذي يمتد ويمتد حتى يصبح سهلاً فسيحاً على أطراف بحيرة طبريا... كل الصخور يعرفها... وكل المعابر جاسها بقدميه مرات عديدة في الأيام التي مرت... وكل الأعشاب البرية يعرف أسماءها وطعمها... البسباس والعكوب والخبيز والقريص والسنارية، وأشواك البلان والسدر والرتم والقندول والشومر.. وحجارة البازلت والصوان والحوار والكهوف والأودية والمداخل والمخارج ومراتع المواشي... كلها تنهض في ذاكرته الآن... تمنى لو يركض الآن.. حتى شاطيء البحيرة، ليغتسل كما كان يفعل في الماضي... هاجت به الذكرى..‏
ازدادت حواسه استنفاراً، واتقدت أكثر حين لاحت له من بعيد أشباح سوداء.. ترتفع حيناً وتنخفض أحياناً مع ارتفاع الصخور وانحناءاتها... دقق النظر ساورته ظنون كثيرة.. بدا متردداً إلى حين... رد كوفيته نحو الخلف فبانت أذناه تماماً... أحس بشيء من رطوبة الليل.. التصق بالصخور، وضع يده على الزناد... دبيب أقدام متباطئة حيناً. ومسرعة حيناً، وما أن تغيب برهة حتى تعود من جديد.. أحس بجسده يرتعش... كل مسامات جلده صارت مستنفرة الآن.. أعترته قشعريرة لم يشعر بها من قبل... انتصبت كل الشعيرات التي تغطي جسده،... جلدة رأسه كادت أن تغادر جمجمته... اقتحمته أنفاس غريبة أحس بها تماماً.. عزز وضعية الاحتراس.. ضاقت حدقتاه إلى أقصى حد ممكن.. ارتفعت أشباح، ثم غابت.. ثم ظهرت من جديد لكنها في هذه المرة أكثر اقتراباً... أدرك بتجربته أن الخطر قادم لا محالة.. وقد عزز ذلك التماعات الأسلحة التي فضحتها بقايا النجوم المتشبثة بصحن السماء. امتدت يداه سريعاً إلى أجساد الرجال النائمين خلفه.. تململ بعضهم ثم حاول النوم من جديد.. لامس وجوههم، أشعل اليقظة في أجسادهم.. حتى تناهضوا مذعورين أمام إصراره المتصل.. أشار بيده.. همس.. تنفس في آذان البعض.. وبعد أن أخذ الرجال أمكنتهم... ضغط على الزناد.. فدوى الرصاص ليثقب آخر ستائر الليل وامتد الصدى طويلاً مقطعاً تبتلعه الصخور ثم تشكله من جديد... طلقات متلاحقة أنصبت ناراً على المكان من كل الكمائن المنتشرة على طول الجبهة يعززها نيران الرشاشات التي أطلقتها كمائن الحرس الوطني المحاذية تماماً لكمائن المقاومة الشعبية على امتداد الجبهة.‏
رصاص.. وأضواء كاشفة، وحيوانات برية تقفز مذعورة بين الصخور وصرخات استغاثة، وأشباح تفر نحو الغرب، وخيوط رفيعة جداً تفصل بين الموت والحياة. وحين لاحت أعمدة الفجر، كانت رصاصات متفرقة مازالت تطلق من هنا أو هناك...‏
نفر الرجال عبر الصخور والأشواك وظلال الآكام والممرات الوعرة، إلى حيث العيون الناعسة التي أيقظها الرصاص، وأضناها الخوف والانتظار، خلف الأبواب والنوافذ الخشبية الهرمة... تاركين خلفهم حرارة أجسادهم وأعقاب سجائرهم التي احترقت تحت الأغطية، أو بين الأصابع الخشنة التي تكونت حولها لتمتص بصيصها، والكثير من الفوارغ النحاسية التي خلفها الاشتباك والكثير من الآهات والأوجاع والأحلام والهمهمات والمشاعر.‏
وحين بدأ صوت المؤذن يأتي مع ندى الفجر شجياً حنوناً مقطعاً، كانت أبواب البيوت المتخاصرة على جنبات الأزقة تستقبل الرجال والبنادق بينما بدأت الخيول المشدودة إلى أوتادها في أطراف البيوت تصهل صهيلاً رخيماً ناعماً طلباً لكلئها.. ومن خلف أبواب الخانات المغلقة ارتفع خوار متقطع خفيف لعجول وأبقار، وهمهمات لخراف وادعة وارتفع صياح الديكة في الأمكنة كلها.‏
.‏

Tidak ada komentar: