حسن إبراهيم الناصر
أبو الريح
أبو الريح رجل في الخامسة والثلاثين من عمره، يعمل سائقاً في منظمة الهلال الأحمر الفلسطيني، حين يكون في مهمة نقل الجرحى، يقود سيارة الإسعاف " الشفرولية " بجنون، يطلق لزمور الخطر العنان يصفه مهدي وهو مقاتل من تونس، جاء إلى لبنان كي ينضم إلى المنظمة، مهدي يظن أنه لن يطول فيه الأمر، حتى يكون مع الزحف الكبير العائد إلى " فلسطين". لكن الزمن تركه يعيش سنوات طويلة بانتظار الحلم " أصيب مهدي بشظية شبه قاتلة في أثناء غارة ليلية على الجنوب اللبناني، قام بها الطيران " الصهيوني" كانت كاس الشاي في يده، وهو ينظر إلى الفضاء، ويصف أبو الريح، يا رجل كأن سيارة الإسعاف تحولت إلى أفعى تتلوى على طريق الجنوب باتجاه بيروت، ثم طريق الشام. تلف وتفتل بين السيارات العابرة، والسائقين ينظرون إلى أبي الريح بدهشة وإعجاب، أبو الريح رجل، لا يعرف النوم إلا في آخر الليل بعد أن يهدأ القصف، كان يردد وهو نائم هؤلاء الأوغاد لا يوفرون صغيراً أو شيخاً، أو امرأة، عيناه ضيقتان تشبهان عيون الصينيين، عندما كنت أداعبه راغباً في إخراجه من حالة الشرود الدائمة، ربما حضرتك يا " أبو الريح " من أصل صيني؟ يضحك أبو الريح قائلاً: كلنا إلى آدم، وآدم عليه السلام من تراب، حتى الزمن لم يتركه، لقد حفرت السنون منحدرات في وجهه، بدا كأنه تجاوز الخمسين من عمره حين يبتسم تلمع أسنانه البيض، وتكبر فتحتا أنفه، وتتنبه أذناه، يقسم يمينه المعهودة كلما ضاق به الحال " وروح الشهداء" يا " أبو خالد "، لا شيء في السيارة. أساساً هم لا يعطونني الشفر إلا إذا كان هناك شهيدٌ، أو جريح ٌ " مالكم يا عمي دائماً تفتشون السيارة , أنا خيا، لا أحمل معي تهريباً يلعن (أبو الفلوس)، ودم الشهداء، وحياة الغالية، يسأله محمد، ومن الغالية يا أبا الريح؟ ينظر إلى وجوهنا بتمعن قبل أن يتكلم. في تلك اللحظة تتشكل نظرات حادة في عينيه، لا مقدرة لي على تصورها أو رسمها، ولا حتى كتابتها على بياض ورقي. يتابع: إي هو في غير الغالية " فلسطين " ولك يا عمي أنا لا أحمل، إلا علبة الدخان وربطة الخبز، وها هم، شوفهن، من مخيم اليرموك، وهذه شوفها حمراء طويلة، وخبز سوري، يتابع: خيا لا تصدقوا كلام الناس، ما في أرخص من أسعار " الشام " في لبنان الأسعار نار، يضحك أبو خالد من ارتباكه، ويداعبه حذراً، ثم يأمر بفتح الحاجز كي ينطلق أبو الريح مسرعاً، أبو الريح يقول الحقيقة، يدعس بقدمه المتسخة فوق دعسة البنزين، يسمعُ ضجيج محرك الشفرولية، وهي تنطلق مسرعة باتجاه دمشق، وعندما يعود آخر الليل ينادي على يا سين أبي وسيم، ما في حواليك كاسة شاي، فيأتيه الجواب: تفضل الشاي جاهز على المدفأة، يترك السيارة ويترجل على عجل، (ها تلك كم شفه كرمال النبي)، يشير بيده إلى عنقه " جوزة " حلقي يبست من الصباح دخان، وبلا أكل
ولا شرب.
قال محمد: ألا تتعب يا أبو الريح؟
أبو الريح: آه.. أتعب، أنا أتعب إن وجد جريح، ولم أستطع إنقاذه، دمي يغلي ويصير مثل النار، التفت إلى محمد، شوف عمي هؤلاء الشهداء، شباب بعمر الورد، يقدمون دمهم فداءنا، وفداء الغالية، على القليلة نحن نقدم لهم المساعدة الممكنة.
محمد يهز برأسه، معك حق.. معك حق. الواحد منا يجد نفسه صغيراً أمام تضحياتهم الكبيرة.
يشرب أبو الريح الشاي، ويركب " الشفر " منطلقاً باتجاه الجنوب.
في يوم شديد البرودة امتزج فيه المطر بالثلج، والريح تصفر خارج البراكية التي نجلس فيها، وبعض الغيوم البيض راحت تتشكل فوق بعضها تهيئاً للهطل، الحدود معرضة لهطول الثلج في كل يوم.
قال أبو خالد: أغلقوا النوافذ، والباب جيداً فهذا الصقيع لا يرحم، وأنت يا غسان زدْ كمية المازوت، لا أعتقد أن أحداً يأتي من لبنان، أو من سوريا في هذا الجو العاصف، الطرقات كلها بعد قليل ستنقطع، وخاصة في ضهر البيدر، ووادي القرن. تابع كلامه، وهو يستلقي على السرير "غير المجنون ما يخاطر بهذه العاصفة " بعد برهة سمعنا ضجيج محرك سيارة، وصوت زمور الخطر، نهض أبو خالد من السرير مستغرباً، ألم أقل لكم " غير المجنون " وقبل أن يكمل كلماته، دفع الباب بقوة ودخل أبو الريح مقطب الجبين، وقد تاهت ملامحه السمراء في حزنه، عيناه كجمرتين تلمعان، ويداه ترتجفان، حافي القدمين وثيابه ملطخة بالدم.
قال أبو خالد: الله يعطينا خيرك، شو أبو الريح كنت تتصارع مع الوحوش؟ لم يستطع أن يقول شيئاً، دمعت عيناه، حدق إلى وجوهنا وقال: كل حياتي، وأنا أنقل الشهداء والجرحى، وأنا مرفوع الرأس لا يهمني الموت، ولا طيران العدو أثناء القصف، لكن اليوم الحالة مختلفة، فتح أبو خالد باب السيارة، يا إلهي ما هذا يا أبو الريح، لمن هذه الجثث المكومة فوق بعضها؟ لم نسمع أن غارة هاجمت الجنوب، ولا أي مكان في المواقع. كان دمعه ساخناً وسخياً، أشعل لفافة تبغ سحب نفساً عميقاً ثم أطلقه في الهواء، وبصوت مخنوق قال: هذه المرة أهلي يقتلون بعضهم يا أبا خالد. أهل الغالية الذين تتناقلهم السفن، والموانئ، وتلونوا بألوان جوازات السفر الممنوحة لهم الذين عايشوا البندقية حتى صارت جزءاً منهم، من حياتهم، وحاوروا المدافع، والريح، والثلج، واعتادوا أن يقهروا الجبال، والصخر، والغابات، ويتسللون عبر الممرات الضيقة والمخيفة في الليالي الحالكة السواد، ويجتازون الأسلاك المكهربة، ويعبرون إلى " الغالية "، ليقوموا بعملية تهز كيان العدو وترعب الوافدين إليها من " أنحاء العالم " ليغتصبوا حقاً ليس لهم، وتجعلهم يفكرون ألف مرة قبل أن يأتوا للإقامة في أرضنا فيفكرون جدياً بالرحيل عنها، أو التعايش مع قرارات " الأمم المتحدة ". هم اليوم يذبحون بأيديهم الألفة، والمحبة، والأخوة، ورابطة الدم والتاريخ، يقدمون الشباب ضحية على مذبح الكراسي الملعونة، والبهرجة الكاذبة، كأن النار لا تحرق إلا الناس الغلابة! أبو خالد، ماذا تقول يا أبا الريح؟ شو حضرتك تركت سيارة الإسعاف، وصرت تدرس الفلسفة؟ الحقيقة كنا جميعاً مبهورين بما يقوله، ومن الرواية التي قصها علينا، لم نكن نتوقع رجلاً مثل أبي الريح يحمل شهادة جامعية، هذا آخر ما كنا نتوقعه، تابع أبو الريح نحن نتقاتل فوق أرض ليست أرض المعركة، تفتر شفتاه عن ابتسامة صفراء، ودمعه يجري على سواد خديه، والخيبة تسكن داخله التعب.
قال: كما سمعت اختلفوا الشباب في التنظيم، وتحول الخلاف إلى مشادة تابع بتهكم: وأنت تعرف أن وراء الإحداث من يختلق الأسباب، والمشادة احتكمت إلى السلاح، ولعت النار يا خيا، وما بتعرف مين بدك تنقل في السيارة، شيء يجعل الإنسان يفقد عقله، تصور بعض الشباب من عائله واحدة، وفي تنظيمات مختلفة، كل واحد حمل السلاح على أخيه، معركة الكل فيها خاسر، كما قلت لك شيء يحط العقل بالكف " جنون " يا رجل ما في عاقل يوقف الناس، والسلاح لا يرحم، نحن نحمله لنقاتل به عدونا، لكن يا للأسف الإخوان في هذا اليوم جربوه بحالهم المهم الله يستر، ويسامحنا جميعاً فتح كفيه، وقرأ الفاتحة للجميع، وأغلق باب السيارة.
قال محمد: شوف حالتك يا أبو الريح حافي القدمين، وثيابك كلها دم، وأنت لا تدري بذلك.
أبو الريح: حفيان، عريان، أرجو أن تسرعوا بالموافقة على الدخول، قبل أن تطلع عليكم رائحة الجثث. فعلاً قام أبو خالد بالإجراءات القانونية، وانطلق أبو الريح، وصوت زمور الخطر يخترق الفضاء، والمطر، والأسئلة الحائرة على الشفاه.
حين عاد أبو الريح قبيل الفجر، كان منهكاً، وقد هده التعب. جلس على حافة السرير صامتاً. قال أبو خالد: هات حدثنا عن الأهالي في المخيم، كيف استقبلوا الأخبار، وكيف تلقوا الخبر؟ لم يستطع أن يتحمل، بكى بألم، لم أشاهد رجلاً من قبل يبكي بهذا الحزن والألم، وبكاء الرجال قاسٍ، خليها على الله يا أبو خالد " ودم الشهداء، وتراب الغالية، تمنيت الموت، ولا أشوف هذا اليوم، مظاهر حزن باردة، كل يفقد غالياً، ولا أحد يعرف من يشتم، أو مع من يقف، وتحرقه الأسئلة إن وقف على الحياد. النساء هجمن على بعضهن كل واحدة تتهم زوج الأخرى، وتعتبره المسبب، قل يا رب، الدم واحد، والمصيبة مشتركة، والقاتل واحد، ولا تستطيع أن تقول ما بداخلك " نار تكويني يا أبو خالد نار ". لم يشرب الشاي كعادته عندما يعود من المخيم، ركب السيارة، وانطلق بهدوء كأنه لا يريد أن يتركنا، أو لا يريد أن يصل إلى مركز الإسعاف في بيروت.
في الصباح هدأت العاصفة، وتوقف المطر، والشمس أخذت تظهر من خلف الغيوم خجلة بأشعتها الذهبية الدافئة,
قال محمد: الوقت ظهراً نريد أن نذهب إلى بيوتنا، همهم أبو خالد معك حق، هيا يا شباب عندما يصل البديل جهزوا أنفسكم، كنا نستعد إلى الذهاب، شاهدنا سيارة أبي الريح قادمة بهدوء، وبلا زمور الخطر، وخلفها سيارة لا ندروفر لونها زيتي، تلفتنا مستغربين، معقول أبو الريح يقود سيارة الشفر على مهل، وينتظر خلفه سيارة جيب ترافقه مستحيل، هذا شيء لا يصدق، أخيراً وصلت الشفرولية إلى الحاجز، ترجل السائق، لم يكن أبا الريح، كان شاباً في مقتبل العمر، شعره طويل وقامته كرمح، يرتدي بدلته الخاكي المموهة.
قال أبو خالد: يمكن أبو الريح تعب، لهذا أرسلوا سائقاً غيره، ألقى السائق السلام، وقدم الأوراق إلى أبي خالد، قرأ الأوراق، لا حظنا تغير ملامحه، جلس على الكرسي، ودفع الأوراق إلينا، إلى الإخوة في الحاجز السوري. تكرموا بالسماح لجثمان الشهيد أبي الريح مع سائق الإسعاف جيفارا بالمرور إلى المخيم، كي يدفن في مقبرة الشهداء، بناءً على وصية إخوتكم في المنظمة، شاكرين تعاونكم.
قلنا جميعاً: لا حول ولا قوة إلا بالله.. إنا لله وإنا إليه راجعون " أبو الريح في الشفر ولا يقودها! وهي تمشي ببطء كأنها لا تريد الوصول إلى تربة الشهداء، كأن الدنيا صمتت ولفتنا أنغام جنائزية، دمعت عيوننا، لم يكن أحد يدري، هل مات أبو الريح قهراً؟ أو مات برصاصة طائشة في المخيم سارت الجنازة عبر الشارع المؤدي إلى مقبرة الشهداء، كانت امرأة حافية القدمين تضم إلى صدرها طفلا رضيعاً، تبكي قهراً، وهي تسير خلف نعش أبي الريح، تغني بحرقة مواويل تخرج من فمها كأنها لهيب نار حارقة، " مع السلامة، يا ولف درب الجابك يوديك " تقف عن الغناء وتشد الرضيع إلى صدرها، وعيناها تراقبان الأكف التي تتناقل النعش الملفوف بعلم " الغالية " ثم تتابع: من حد باب البيت وصيت الله فيك.. وصيت الله فيك ".
إنه زمن الدم المستباح يا أبو الريح.
دمشق: 1985
أحلام بائسة
يترجل " غازي المقص " من سيارته السوداء، مرتدياً بدلته الكحلية، وربطة عنق خمرية عريضة. قامته تغوص في أطرافه السفلية. كرشه يندلق أمامه. يحمل حقيبة دبلوماسية بنية اللون، قاصداً المحكمة العامة، يتراكض إليه العديد من الموظفين، والمراجعين، والباحثين عن حلول لقضاياهم المعقدة.. يستقبلهم بابتسامة صفراء على شفتيه.. يخترق بجسده الضخم ازدحام الناس، يلتف من حوله حملة الطوابع والأوراق، وبعض العاملين في أروقة المحكمة الشرعية. جميع من فيها يحفظ شعاره " على المحامي الناجح أن يملك شبكة من العلاقات العامة، مع الجهات العليا. لتمنحه مكانة مميزة عن زملائه. القضايا الصعبة التي يفشل الكثيرون في معالجتها، الأستاذ غازي المقص.. بكل بساطة يجد لها حلولاً لم تخطر على بال أحد قبله. لتأخذ القضية طريقها أمام القاضي على المنصة، يفتش في خبايا المحاكم والقوانين عن ثغرات ينفذ منها وما أكثرها، دائماً لديه الصيغة المناسبة للرد على خصومه، أو توجيه التهم الجاهزة لأي زميل ينازله في الحلبة. كان دائماً يسمي قاعة المحكمة بحلبة المصارعة، إما أن تفوز، أو تخسر بالضربة القاضية يبتسم حين ينتصر " هناك دائماً ما يمكن القيام به، قبل أن يستسلم للخسارة، يتسم بالجرأة لما تتسع لـه مفكرته من أسماء ممن لهم الباع الطويل في تحويل القرارات لصالح موكليه.
يمثلون للمقص " مفتاح القضايا " عندك السيد
أبو النجود، ما إن يرن هاتفه في قاعات المحاكم، حتى يرتجف الجميع خوفاً مطيعين وراغبين في تنفيذ المطلوب.. حفاظاً على المكتسبات. بينما " المقص " يبتسم بخبث متجاهلاً مصدر الهاتف وسببه. وعندك يا سيدي، الست رهام ذات الحسن والجمال، ما إن تظهر في قاعة المحكمة، حتى تملأ القاعة بضحكتها أنغام موسيقية ناعمة، و هي تشير بأصابعها باتجاه من تريد مساندته، ليتخذ القرار المناسب، باسم القانون، وحين تضيق الأحوال بالمقص، يسعى إليها محملاً بالهدايا وقوارير العطور المستوردة تضحك، ضحكتها المشهورة أهلاً بالمقص أفندي، يجاريها بالضحك، حتى أنت يا ست الحسن، والجمال، لكن ولا يهمك طالعة من ثغرك مثل العسل. تتمايل السيدة رهام بغنج وهي تتقبل الهدايا، لا تهتم لأحد، قل ما هو المطلوب. يُخرج من جيبه " مظروف المعلوم "، يشرح الموضوع القادم من أجله بتأن حتى تعرف الست رهام كيف تتصرف، أو مع من تتصل ما إن ينتهي، حتى ترفع السماعة تضرب الرقم المقصود، ألو تحياتي سيدنا.. وحياتك كانت سهرة الأسبوع الماضي رائعة بوجودك، نحن دائماً تحت أمرك متى تطلب مساء الاثنين.. ليكن ستكون الأمور جاهزة عند حضورك. تعلو ضحكتها حيناً. وترتسم الدهشة على ملامحها أحياناً " كلامك سيدنا يقطر عسل " تسرب من خلال دلعها على الهاتف طلبات المقص، تهدأ قليلاً، سيكون شكرك مضاعفاً هذه المرة يا سيدنا، تضع السماعة، تنظر إلى المقص. كن مطمئناً القضية صارت بحكم المنتهية لصالح موكلك، يهرع إلى مكتبه ليستعد للإجراءات المقبلة. الأستاذ غازي المقص قبل أن يكون محامياً كبيراً كان موظفاً في أرشيف المحاكم، تعب على نفسه.. وسهر الليالي، إلى أن تخرج، وأصبح محامياً " لن ينسى ذلك أبداً " بعد أن تدرب في مكتب محامٍ كبير. لمع اسمه في قاعات المحاكم، وأصبح ذلك الأستاذ واجهة للمكتب معتمداً على غازي المقص كي ينجز لـه قضاياه الكبيرة، كان صاحب المكتب يفتخر أمام زواره وزملائه، بأنه يملك مفتاحاً سحرياً لكسب قضاياه، لقد حاول الكثيرون معرفة ذلك المفتاح الخفي ولكن دون فائدة. والمقص، هذا لقب يطلقه عليه الجميع، كونه لا شيء يقف بطريقه تعلم كيف ينشر الدعاية لصالحه، أو ينشرها بوجه خصومه، شهوده حاضرون أمام الدوائر القضائية، أو في مكتبه المزدحم حيث لن تجد مكاناً تجلس فيه. عليك الانتظار حتى يطلبك / الأستاذ / يحيط به مجموعة من الرجال الأشداء ينتظرون منه إشارة كي يتخلص من أحد ما، أو يحضرون لـه أحداً ما بلا تردد. في صباح يوم ماطر والريح تعصف بشوارع المدينة، خرجت امرأة لم تتجاوز الثلاثين من عمرها، ترتدي جلباباً رمادياً وتضع فوق رأسها غطاء أسود، عيناها واسعتان، تميل بشرتها إلى اللون الأسمر، نهداها يكادان ينفران من تحت الجلباب، تجر خطواتها الثقيلة، كما تجر خيبتها، حمدت الله في سرها أن صاحبة البيت أم صبري التي وافقت على أن تأويها مع ولدها، في محنتها لتبقى مجهولة العنوان، أم صبري، عرفتها على أبي فهد وبعد أن كشف أبو فهد على مفاتنها ليتأكد من صلاحية البضاعة التي يتعامل معها، نالت إعجابه بجدارة. هي امرأة تدربت على يدي صباح، قبل أن تلتقي خالد وتمنحه حياتها " لكن سوء حظها كسر فرحتها.. لتواجه هذا المصير أبو فهد، بسهرة ليلية شرب آخر رشفة في قعر الكأس. يهمس لقد كلمت لك محامياً لا أحد يقف بوجهه في المحكمة. ناولها بطاقة باسمه وأرقام هواتفه، كان يرتدي ثيابه، وهو يحدثها عن الأستاذ غازي المقص، فقط أنت أعطيه البطاقة وهو يفهم الباقي.. بلهجة جادة قال لها أبو فهد نسيت أن أقول لك، لا تخفي عنه شيئاً، مهما كان صغيراً، أو كبيراً، احكي لـه قصتك كاملة بصدق، وهو يعرف كيف يخرجك منها. في المكتب كانت وردة، كأنها تجلس على جمر، بعد انتظار دام بضع ساعات جاء دورها.
ابتسمت لها السكرتيرة قائلة تفضلي الأستاذ بانتظارك، شكرتها وتقدمت بخطوات مرتبكة، تفلت دموعها فوق خديها رغماً عنها، كان قد انتهى من مكالمة هاتفية. يميل المقص نحوَ صدرها الفاتن.. أنت يا مدام بشارة خير للمكتب، لقد زف لي مستشار القضاء فوز موكلي " جديع الماجد " بقضية كانت مستعصية الحل، ابتسم لها من جديد تفضلي بالجلوس، مسحت دموعها. قالت: الحقيقة أستاذ لقد أرسلني إلى جنابك موظف البوفيه في المحكمة " أبو فهد " وناولته البطاقة، آه عرفته بماذا تأمرين، أبو فهد طلباته علينا أوامر يا مدام، وأشار لها أن تجلس على الكرسي المريح، وراحت تقص عليه حكايتها منذ كانت تعمل في مؤسسة اجتماعية، في مدينة بعيدة عن العاصمة، كانت وردة زهرة متفتحة تنتظر من يقطف وريقاتها أو يشم رائحتها، تفور أنوثة، كانت الأحلام تراودها في اليقظة وأثناء النوم، تريد أن تخرج للدنيا، تخلع عنها ثوب الفقر والوصايا والممنوعات، منذ طفولتها، كانت تعشق الحياة، مبتعدة عن الفتيات اللواتي هن بعمرها، نضجت أنوثة وردة مبكراً، وكان الخوف من الوصايا لها بالمرصاد، أرادت أن تنسى بيئتها الفقيرة، بعد أن التحقت بمدرسة المدينة، كانت تحلم أن تكون بمستوى زميلاتها، ثم كبرت وردة وكبر الحلم معها. في الوظيفة تعرفت إلى صباح، التي تتزين بالحلي، وترتدي أفخر الملابس، وكل يوم تأتي إلى العمل بسيارة مختلفة، تسبقها ضحكاتها المرحة، تجعل كل من حولها يهتم بها، أو يتمنى أن يقيم معها علاقة. كانت صباح ذات حسٍ عال، من خلال نظراتها إلى عيون وردة، كشفت ما بداخلها، أخذت تغدق عليها الهدايا وتتكلم معها عن السهر والفرح " يلعن أبو الفقر يا وردة، هم ونكد على الفاضي.. وفي النهاية بيت وزوج ومسؤولية " علينا أن نواجه الدنيا لنعيش الحياة مثل الآخرين، استطاعت صباح أن تجرها إلى ما تقوم به، حيث السهر حتى مطلع الفجر في الشقق المفروشة، أفهمتها في البداية أنها مجرد سهرات كيف ومرح، نريد أن نقبر الفقر يا وردة، وهنا في المدينة ما حدا شايف حدا" المهم أن تملكي الجرأة والباقي سهل، استسلمت وردة للواقع بعد أن أخرجت نفسها من حريق الأسئلة، حين ينام الآخرون، تلجأ وردة، إلى نفسها، تطفئ أنوار الغرفة، تشعل شمعة وتعد القهوة تدخن بشراهة، وقفت يوماً أمام المرآة، مررت أصابعها فوق خديها، على عنقها، صارت أكثر نضجاً وجمالاً.. فجأةًً خرج صوت من داخلها، من الوصايا... يؤنبها لقد خسرت كل شيء.. خسرت كل شيء يا وردة؟ توالت الأيام والسهرات ورفيقات الليل.. ثم راح الصوت المؤنب بداخلها يلملم وصاياه يوماً، بعد يوم.. حتى نسيت وردة، من هي، ومن أين أتت؟ ونسيت أحلامها. في أحد الأيام طلبت منها صديقتها وعد أن ترافقها لزيارة شقيقها المريض في المشفى، أول ما تلاقت عيناها بعيني خالد، شعرت أنها مشدودة إليه، أخذت تهتم بحالته، وأبدى خالد اهتماماً ملحوظاً بوردة، حتى صارت تقوم بزيارته دون علم صديقتها وعد، بعد أن تماثل خالد للشفاء، تواعدا على اللقاءات، هناك شيء خفي بهذا الرجل جعلها تفك ارتباطها بصباح ولياليها الساهرة! حين تكون معه تنسى الدنيا بما فيها، لم تستطع أن تخفي وردة قصتها عن خالد، في يوم صيفي التقيا في المقهى على ضفاف العاصي، كان وجهها حزيناً، وملامحها تنم عن قلق.
همس لها خالد: وردة كأنك لم تنامي بالأمس؟ حدقت إلى عينيه طويلاً قبل أن تقول شيئاً.
خالد: إذا كان هناك ما يضايقك تكلمي.. أنا أسمع.
افهمني يا خالد.. بهدوء قالت وردة: وبلعت ريقها بصعوبة أنا لم أحب رجلاً في حياتي " كل الذين عرفتهم، كانوا مجرد وهم أركض خلفه، ولم أحصد إلا التوهان " أمعنت النّظر إلى وجهه، أنت دخلت إلى قلبي بلا إذن، ها أنا أفرش بين يديك قصتي، وأنت تحكم، في البداية تغيرت ملامح وجه خالد، بعد صمت دام بنظر وردة دهراً.
خالد بهدوء: بكل قسوة الماضي، يا وردة أجد نفسي مشدوداً إليك أشعر أن حباً حقيقياً نبت بداخلي.. لا أستطيع مخالفته، كادت تزغرد وردة من الفرح.. بل ربما شعرت أن لها جناحين، يمكنها أن تحلق في الفضاءات المطلقة، أخيراً وجدت من يتفهم حالتها بعد أن هدأت، طلب منها خالد، ويداه تمسكان بيديها أن تعاهده على الوفاء، وأن تكون لـه وحده , وتنسى ماضيها" احذفيه من حياتك ولا تعودي إليه حتى في الحديث العادي " وافقت وردة بلا تردد، صارت الدنيا بعينيها أجمل، وبدت لصديقاتها أكثر جمالاً، تهتم بزينتها وترتيب شعرها، ورفضت الخروج مع صباح ولم تعد تسهر إلا بوجود خالد!! اتفقت وردة مع خالد على أن يقوم بزيارة أهلها في القرية ليطلبها رسمياً للزواج، كان استقبال أهلها لخالد متحفظاً، لم يرتاحوا للزّائر كان اختلاف " المذهب والعادات والتقاليد " سداً منيعاً وقاتلاً بين وردة وسعادتها المحتملة، أمام أهلها، لم تجد ما تقوله، قررت أن تذهب معه، بلا موافقة أهلها، لكن خالد رفض ذلك بحجة أنه يكفي قبوله حالتها من غير أن يعلم أهلها، عاد خالد مع شقيقته وعد، وعادت وردة تجر خيبتها معها، أرادت أن تقول لأهلها كل شيء لكن خوفها من / سكين العار" الذي دائماً بيد الرجل " منعها / رحل خالد ورحلت معه أحلامها.. لم يبق لها إلا المرارة والخيبة، في تلك الفترة تعرفت إلى شاب أصغر منها، كان جميلاً عيناه تشتعلان رجولة. كانت وردة تتكلم.. والأستاذ مشغول تارة بالهاتف، وتارةً يشعل سيجاره الفاخر، تابعت وردة وحين شعرت أن شيئاً يتحرك في أحشائها طالبته بالزواج، توقف سامي عن العبث بصدرها ثم قال بلا تردد: لو كنت الرجل الوحيد في حياتك لما تأخرت يا وردة، شهقت بالبكاء وتابعت كلامها إلى المحامي المشغول بهواتفه الكثيرة، أنها أجرت عملية الولادة في مشفى خاص، وحين عرف أهلها طارت عقولهم ولمعت أنصال السكاكين " هربت هي وابنها إلى مدينة بعيدة لتختفي عن أعين أقاربها الذين تدافعوا لغسل العار. هم الذين رفضوا الرجل الذي كان حلم حياتها " هزت رأسها يا لـه من حلم تحطم سريعاً " كان الأستاذ مشغولاً لا يرد عليها، همس لها وهو يمسك الهاتف: اختصري أرجوك مدام، كما ترين أنا لدي عمل كثير، المهم ما هي العملية، عفوا أية عملية أستاذ: آه، أقصد، القضية، قالت: أريد أن أسجل الولد حتى أدخله المدرسة، أيقنت وردة أنها نجحت في كسب عطف الأستاذ، وبصراحة أقول لك، لأن أبا فهد قال، لا تخفي على الأستاذ شيئاً، لقد اخترت رجلاً كانت لـه علاقة قديمة بي، وحده يستطيع حماية الولد وتحمل تبعات مصروفه، وهذه صورة هويته، تناول صورة الهوية وبعض الأوراق التي تستلزم القضية.
همهم المقص ساخراً: هذه عملية سهلة، حدقت إلى وجهه، آه أقصد قضية سهلة مدام، رنّ جرس السكرتيرة، التي أسرعت إليه، أمر أستاذ، أحضري لي شاهدين آنسة ميمي، دخل شابان، كانا مستعدين، ابتسم لهما، المدام بحاجة لمن يساعدها عملية بسيطة، نبهته عفواً أستاذ قضية وليست عملية، قاطعها بحدة، قضية ولا عملية كلها بتمشي " أخذت تملي الاستمارة اسمها واسم عائلتها، واسم الولد ونسب الرجل، وقع الشاهدان على الأوراق، إنهما شهدا زواجاً خارج المحكمة في مكتب المحامي، وبحضور الزوج عبد الباسط درويش، تناول الأستاذ الأوراق ووضعها في الحقيبة، نظراً لانشغاله بأمور مهمة، هناك رجل من الخليج يوكله بقضية مشابهة لقضية "وردة" وهو زائر في فترة الصيف من خلال وسيط الشقة التي يستأجرها، تعرف على أهل خلود، فتاة صغيرة وجميلة استطاع بماله أن "يشتريها" عفواً أن يتزوجها، كانت الفتاة بحاجة إلى أن تخرج من سجنها بين أربعة جدران" بعد أن منعها والدها من الذهاب إلى المدرسة "بحجة سرعة نضجها وخوفه عليها، خلود، لا تعرف عن الدنيا شيئاً إلا من خلال شاشة التلفاز المهم أنه رجل، يحميها ويلبي نضوج أنوثتها، وكان العريس قد تجاوز السبعين من عمره، يسهر طوال الليل ثم يعريها من ملابسها، ويطلب منها أن ترقص، بعد أن يدير آلة التسجيل وتنساب أنغام الموجي ويصدح صوت " الست " يعمر نفس النارجيلة وعندما ينتشي ولا يعود يعرف حتى اسمه يدخل عالمها المراهق، مضى شهر على هذه الحالة وهو يغدق عليها وعلى أهلها الهدايا، إلا أن الفتاة قرفت منه، ومن هداياه، كان بعد أن ينتهي من النارجيلة وتلك البودرة اللعينة التي يحشوها في المعسل، يخلع ملابسه ويبدأ يمرغ شيخوخته فوق نضارة جسدها الشهي، وهي تبكي بصمت أنوثتها المجروحة.. تبلع ملوحة دمعها بينما يلملم خيبة رجولته من فوق شهوتها القتيلة! كانت خلود، تخطط كيف تتخلص منه يمر بخيالها شريط للوجوه التي عرفتها، ثم تفكر بحالة أبيها وإخوتها. ماذا سيحل بهم إذا تركته هي. عليها أن تجبره هو على القيام بطلب الطلاق، كما أراد هو أن يتخلص من زواجها من غير أن يخسر ما دفعه لأبيها "المهر الكبير" عليه أن يعود إلى بلده " مرفوع الرأس " صاحب مكتب العقارات عرفه على الأستاذ " المقص " في المحكمة كانت الأوراق المطلوبة بين يدي القاضي، متهماً أهلها بأنهم استغلوا الرجل وزوجوه ابنتهم، وهي لم تكن تتمتع بصفات البنات العذارى " كان شهود " غازي المقص " جاهزين.
الدليل الأول قال: إنه عرفها قبل زواجها بشهور، وراح يصف للقاضي بعض العلامات المميزة بجسدها، والتي عرفها من خلال قصتها مع زوجها، انهارت الفتاة أمام المحكمة، وأصيب والدها بذبحة صدرية، سحب الأهل الدّعوى من أمام القاضي، بحجة المصالحة مع الزوج، تنازلت الفتاة عن حقوقها، قالت خلود إلى أمها، بعينين تشتعلان، كانت صفقة وكنت الخاسرة الوحيدة بينكم يا أمي، اعتذر الأستاذ لوردة، وقدمت لها " ميمي " بطاقة المكتب والعنوان وأرقام الهواتف، قالت السكرتيرة: عليك إحضار المبلغ خلال أسبوع مدام، وألا نعتبرك تنازلت عن الدّعوى، أشار الأستاذ، إلى زياد، رافق المدام، فرحت وردة بعد اطمئنانها على قضيتها، لم يدم الوقت طويلاً، حتى وصل إنذار إلى قرية، عبد الباسط بوجوب حضوره جلسة المحكمة، كان هناك من يستلم أوراق التبليغ دون معرفته بها، إلى أن استطاع الأستاذ أن يأخذ لها الحكم بالنفقة واستخراج بطاقة تسجيل الولد، وعلى المدعو عبد الباسط أن يحضر إلى المحكمة بواسطة الشرطة، جن جنون الرجل هو المعروف من قبل أهل القرية، بل هو وجه من وجوه القرية، متزوج من امرأة يحبها، ورزقه الله منها أولاداً، في البداية نفر بعض الناس منه، لكن عاد الجميع ليقفوا معه. الرجل متزن وعلاقته وسمعته لا غبار عليهما، قصد المدينة لقد تعرف إلى محام كبير لـه سمعة حسنة، عن طريق أحد أقاربه المقيمين في المدينة ، بعد مطالعة الأوراق من قبل الأستاذ عبد الله وسماعه قصة عبد الباسط، عرف الأستاذ عبدالله بخبرته الطويلة كيف استطاع الأستاذ غازي المقص، خداع المحكمة تحت شعار العمل الإنساني.. وضرورة الوقوف إلى جانب الضلع القاصر، هكذا مرر الأمر على القاضي بوجود الشهود، وفعلاً تم توكيل الأستاذ عبد الله، كي يتمكن من متابعة الدّعوى، تعب كثيراً حتى حصل على عناوين الشاهدين اللذين لم يحسبا أنه في يوم من الأيام سيواجهان القضاء، لشهادتهما الزور، ولم يهتما حينها لذلك الأمر.
الشاهد الأول، عادل: يعمل كاتباً أمام دائرة العقارات، قامت دورية الشرطة بسوقه إلى المحكمة، وبحضور رئيس المخفر وقاضي التحقيق، أنكر في البداية عادل، تهمة شهادة الزور، أدخله رئيس المخفر إلى غرفة كبيرة فيها مجموعة من الرجال قائلاً: هيا يا عادل من منهم المدعو عبد الباسط؟ لم يعرفه عادل رغم وجوده بينهم بل أشار أن ملامح أحد أفراد الشرطة تشبه عبد الباسط، قال: كنت حينها في الخدمة العسكرية، لقد نسيت ملامح الرّجل، يا سيدي. رئيس المخفر: هل تعرف هذا الرجل، عادل: لم أره في حياتي، أعاد رئيس المخفر السؤال عليه، هذا الرجل ألا تعرفه من قبل، هز عادل برأسه، لا يا سيدي لم ألتق به أبداً من قبل، وعندما واجهه رئيس المخفر بالحقيقة أن هذا الرجل هو " الزوج " المقصود، انهار عادل أمام رئيس المخفر معترفاً أنه غرّر به " بحجة موقف إنساني" من قِبل المحامي الأستاذ غازي، وكذلك أقر الشاهد الثاني / زياد / والذي كان يقيم في قرية من الشمال بعد أن أنهى خدمة العلم، ترك المدينة ليعود إلى قريته ولم يحسب أن أحداً سيلاحقه بتهمة شهادة الزور أمام المحكمة في المدينة أقر زياد بأن " المقص " طلب منه أن يكون شاهداً على زواج وردة من عبد الباسط، خدمة للمرأة المسكينة كي تحمي ولدها من الضياع لكن المقص كان مدركاً سلفاً ما يمكن أن تؤول إليه الأمور في مثل هذه الحالات " والتي تعرض لها كثيراً من خلال تخصصه في القضايا المعقدة " في " الاستئناف " وبعد انتظار سنوات، وقد أصبحت الدّعوى في مصنفات عديدة , لم يستطع المحامي " عبد الله " إبطال الدعوى بحق موكله لأنها حركت المشاعر الإنسانية عند القاضي، لهذا اعتبرها أيضاً حالة إنسانية يمكن أن تبطل " نسب الولد، فيضيع الولد " سحب الشرطي عبد الباسط من قاعة المحكمة إلى السجن، وخرجت وردة فرحة برفقة " المقص " وقد نالت ما لم تكن تحلم به، كانت وردة تقف أمام القاضي ودموعها تجري على خديها كنهر، وقد رسمت على وجهها ملامح الكآبة والبؤس، بكى المقص وهو يدافع عن الإنسانية ويناشد الضمير الإنساني، وجه سؤالاً مباشراً إلى القاضي، بعد أن قرأ في وجهه ما يطمئنه، سيدي القاضي: هذا الطفل البريء والذي لا يعرف عن الدنيا شيئاً، أي ذنب ارتكب حتى يبقى بلا هوية، ولا مدرسة ولا أب يرعاه " دار بنظراته على الوجوه في القاعة، وتوقف حيث كانت تجلس الست رهام تلف ساقاً على ساق أومأت لـه برأسها معجبة " تابع " مسرحيته " طالباً الرحمة لوردة وابنها " لم يكن أمام القاضي، وحتى الحاضرين إلا أن يمسحوا دموعهم الساخنة وهم يسمعون هذه المأساة قال القاضي: " المهم هو الطفل " دفع المقص وردة لأن تستغل الظرف المناسب وتطلب من عبد الباسط أن يعترف بالطفل ثم لا مانع لديها بعد ذلك أن يطلقها، وافق عبد الباسط على مضض، لم يكن أمامه حل غير هذا الحل، بعد أن دفع كل مستحقات الطفل والزوجة المدعية " كي تسقط حقها " ليخرج هو من السجن حاملاً خيبته وورقة الطلاق.. مقسماً أنه لن يغادر بعد اليوم حدود قريته " مهما كانت الظروف "؟!
مدينة بلا سور
نيسان أقفل نوافذه الربيعية موشحاً بالليل، وحده أبو نواس ظلّ ساهراً يردد قوافي الشعر على مدرج من أنين، لم تزل بحة صوته ووقع نغماتِ حروفه تشكل سحابة من دمع يبلل صباح المدينة، يساهر قمرها، يدق على نوافذها المغلقة، تهدل نغماته كرف حمام. وحيداً يتجول أبو نواس في الشوارع والحارات الضيقة، تلاحقه عيون العسس ونباح الكلاب الضالة، يرنم قصائده على ضفاف نهر أوجعه عبوره إلى الساحات العامة في مدينة تنغلق عليها بوابات الوجع، أذهله كل ما يعدُ لها من أصناف الحقن المهدأة كي تنام باكراً، بعد أن خرجت المدينة من غرفة العمليات المبرمجة وفق أحدث مبتكرات العولمة الطارئة للولادات الحديثة، لولادات أطفال الأنابيب، وقفت على أبواب غرفة النوم السرية تخلع عنها أثواب الزينة البدوية وغبار الفيافي ولغة الشعر الجاهلي، لم تعد الخيمة مناسبة، كان عليها أن تخرج ذاكرتها.. من دواوين المتنبي والنواب والجواهري وحكايات الرواة. تمشي باستحياء إلى مخدعها الليلي، تشعل الأضواء الحمراء الخافتة كأنها امرأة تخرج من سواد تاريخها، تنحني للريح العاصفة، تحني رأسها أمام سرير سيدها، تدور الدورات السبع حول السرير، تنفتح في وجهها أبوابٌ وغابات من الأسرة، وبصوت غنوج تهمس: عبدتك بين يديك، للطاعة وتنفيذ الأمر. يلتفت الرجل حول نفسه مندهشاً، يفتل شاربيه الأسودين، يدور حول نفسه دورات سبعاً، لا يصدق ما يراه ويسمعه، راح صوته يعلو شيئاً... فشيئاَ كأنه يهذي. يا إلهي في النهار كانت هذه المرأة تستخدم قوتها لتصفع رجولته تستعبد ذكورته. كانت تعرف تفاصيل حياته " هيكلاً منفوخاً كطبل فارغ ". تلهو به، تدحرج سني عمره بقدميها فوق صقيع سريرها، تدعكه فيتصبب من جسده عرق لـه رائحة نتنة، وهو يحاول أن يثبت فحولته كما يفعل باقي رجال القبيلة مع النساء الحرائر.
قال لنفسه: أي فحولة أمام امرأة تركت بين ذراعيه كل جمالها دفعة واحدة. كان يلهث تعباً، من ثقل جسده المحشو بأصناف الطعام، أمسكت المرأة برأسه الضخم الذي لا يحوي إلا الصراخ والأوامر. جرته إلى صدرها الناهد، لكنه لم ييأس، فتَّل شاربيه ثم أغمض عينيه، وأشار إليها كالأبله، أنت سيدتي تقصدين بكل هذه الأناقة وهذا العطر رجلاً مثلي!
خلعت آخر ما يستر بياض جسدها الفاتن، مدت يدها الناعمة وبكل دلال أطفأت أنوار المدينة " تاهت المدن " وأسدلت ستائرها السود. حالة من سواد " تعم الدنيا، تتحول إلى غيمة تمطر وحلاً وأسئلةً، تاهت عن الدروب لم يعد أحد يدري إلى أين تقوده خطاه. صارت المدينة قطعة من ليلٍ لا نهاية لـه، مدينة تمشي بلا اتجاهات، حكايات تنقلها الريح. تقف على بوابات القصور " وأي قصور " وأسوار الحدائق المغلقة. حافيةً تركض في الشوارع الخالية من الناس. بهدوء ضغطت بأصابعها فوق زر صغير أضاءت مصباحاً خافتاً. انعكس لونه الأحمر على السرير. أدارت مفتاح آلة التسجيل. موسيقى راقصة. ليلٌ وموسيقى. ربطت حول خصرها شالاً من شعارات أغفلها ورَّاقو المدينة. صوت من عمق الليل يتعالى: لا تصرخي، لا تندهي فلا أحد يجيب! دوي يهز الأبواب. يتطاير زجاج النوافذ. مدت يدها لتأخذ بيده. كان يتكوم جثة تحت السرير، وكمن يفقد ذاكرته في اللحظات الحرجة أو الحوادث، شعرت كأنها تطير بلا أجنحة وقد تاهت عن تاريخها الموغل في القدم. راحت تغني وترقص على أنغام الجنائز وأزيز الرصاص. احتار الرجل ماذا يفعل وقد غدرت به فحولته أمام هذه المرأة المتألقة جمالاً وأنوثة، تارة تريده رجلاً، وتارة تابعاً تهزأ منه. لم يجرؤ يوماً ابن امرأة على اختراق مسرح شهرزادها الليلي أو الاقتراب من أسوار حدائقها. سحابة من غبار ورمل حارق. تركت فوقها ظلاً رمادياً ثقيلاً، تراكم فوق صدرها. التف حول عنقها كعقدٍ ثمين. توغل إلى جسدها توسد ثيابها الداخلية. صرخت. استجارت بأبناء القبائل الأقرب ثم الأقرب. حملت الريح استغاثتها إلى المضارب الممتدة من البحر إلى النهر، إلى الصحارى والسهول الداخلية. مشت مع مجرى الأنهار. تسلقت قمم الجبال. غاصت تحت موج البحار. اجتازت كل الوديان والهضاب. " ما في حدا " فيروز قد سبقها الزمن " لم يزل رنين أجراس العودة معلقاًً على بوابات الكنائس ومآذن الجوامع ومسرح الرحابنة!.
قالت المرأة: يبدو أنَّ في آذانهم وقراً " صمٌ، بكم عميٌ، فهم لا يفقهون" عبر الزمان تاه صوتها. بينما الرجال يمشطون لحاهم، ويفتلون شواربهم وهم يراقبون عارضات الأزياء على الشاشات التلفازية المتعددة والتي تنقلها الأقمار الصناعية المصنعة خصيصاً للقبائل، والمضارب والبوادي، والنساء كن منشغلات بنتائج مسابقات الجمال والأغاني الراقصة للنوادي الغربية. دوي غامض يهز النوافذ. تصرخ المرأة المدينة الحالمة. لا أحد يسمع صوتها. تمر الأيام. تعبر في شوارعها القديمة قوافل محملة بالتمر والبن، ودواوين الشعر. تمر من خلف صفحات تاريخ عبثت فيه أقلام الوراقين، وحفظة الأحاديث، والذين ليس لهم خبرة بأمور البادية والصحارى.
هو الغبار اللعين يحمل إليها ملامح السواد، حين عبر كل أسوارها صرخت المرأة من جديد. شيء ضاع منها. شعرت أنها تفقد الأشياء الجميلة والغالية الثمن. تقطعت حبالها الصوتية حين فقدت عذريتها جهاراً.
في تلك اللحظة، كانت نوافذ القصور مغلقة، والريح غربية تعوي في زوايا العتم، زوبعة رمل تغلق الأبواب ومسالك الطرقات في وجه الرجال كل الرجال! كأن الفجر تأخر، والمرأة المدينة تبكي ما ضاع منها، حين لم تجد من ينجدها، بلعت دمعها بحرقة، ثم رويداً رويداً تصالحت مع الوضع الراهن لتصبح مع الأيام امرأة ليل تبيع أنوثتها لمن يشتهي، صارت تؤدي طقوسها اليومية في وجود هذا الهيكل الذي لم يزل يحمل ملامح الرجال. صمت.. الأمكنة صامتة. الليل ومواء قطط الجوع، وبكاء أطفال تشردوا بفعل الريح والغبار. صمت في كل مكان، إلا صوت أبي نواس، كان يغني قصائده، بينما يوزع على البيوت الطينية سعف النخيل ودقيق القمح، وبضع حبات التمر. لا أحد إلا الرجل. والمرأة ترقص بثوبها الشفاف. هاجت رجولته. خلع كبرياءه. أتاها زاحفاً جاثياً على ركبتيه ويديه. تمرغ بعطر جسدها. مررت ساقيها فوق كتفيه " مدينة بلا سور " تزف نفسها إلى رجل بلا ذكورة. يلفه كل ما يوحي بالاغراء، كان يرتجف بين ذراعيها العاريتين خجلاً من وهنه، وماضيه. استسلمت المرأة لـه بانتظار الفجر. حرق السؤال شفتيها. وهل هناك فجر؟ أغلقت المدينة بوابات قلعتها.. وهل هناك قلعة؟ لم تبقِ الريح الغربية، لا قلعة، ولا أسوار.. ولا نوافذ.. ولا رجال، الحيرة تكاد تقضي على المرأة، دخلت غرفة نومها بحذر لتمارس هواياتها السرية؟ شعر الرجل أنه مرهق وأن حالته تستدعي الاتصال بطبيب الأمراض العصبية.
المرأة: جن الرجل.
الرجل: لم أجن يا امرأة من نار وحرائق.
صمت مخيف، فتح الرجل النافذة المطلة على عويل النساء المتشحات بالسواد منذ أول غبار معركة انتصر فيها الظلم على الحقيقة، أدهشه ما يجري. أنهر من الدمع والدم جرت تجرف في طريقها حصى البادية والطرقات الوعرة، حزن خانق، تقطعت أوتار العود، نز الدم من أصابع أبي نواس وهو يلقي مقتطفات من شعره في قاعة مغلقة لمحكمة أقامها الرواة والوراقون وكتبة دواوين السلطان. وحدك أبا نواس متهم بالمجون وشرب الخمر على قارعة الطرقات، وحدك أبا نواس تقول شعر الحقيقة، ظل أبو نواس يرتل شعره بالرغم من اعتراض الرواة والعسس ومواء القطط التي تغوص في أكوام القمامة تفوح من نفسها رائحة عفنة. أرادت المرأة أن تظهر مفاتن جمالها للرجل، على أن يستعيد بعضاً من رجولته. أشعلت الضوء. خاف الرجل، سألته بلهفة هل تخاف الضوء؟ قبل أن يجيب أسرع إلى النافذة أغلقها، وقف مندهشاً " الظلمة تخفي عيوبنا " كان حائراً ماذا يفعل أمام امرأة تشبه نور الصباح، تفرش جمالها بين يديه؟ لم يكن يتوقع حدوث ذلك حتى في أحلامه. أحس برعشة باردة تجتاحه من رأسه إلى أسفل قدميه، بدأت حبيبات صغيرة من العرق تتشكل فوق جبهته، وعلى جلده، شعر الرجل بسائل ساخن يجري بين ساقيه، بلل السائل أوراقه المبعثرة فوق أرض الغرفة. شكل السائل ساقية من حبر لـه رائحة عفنة تدفق السائل بقوة. فتح ثغرة في أكوام القمامة. تسلل من خلال شقوق الباب الخشبي. عبرَ مسرعاً درجات حجرية تؤدي إلى الشارع العام. ربما من الخوف أو من القهر، أطلقت المرأة ضحكة قوية ثم ألقت بعريها فوق جثة الرجل. الخوف جعله يقفز محتجاً في أرجاء الغرفة. أحس كأن جسدها تحول إلى ثعبان يتلوى. يطوق عنقه. يشد الخناق عليه. صرخ الرجل بصوت عالٍ. حاول أن يتخلص منها. دفعها بقوة. سمع دوي سقوط على الأرض. صرخ من شدة الألم. كان جسد الكاتب يتمدد على صقيع البلاط وحيداً. تحسس أطرافه. نظر حوله. بقايا أوراق ممزقة. سرير غير مرتب.. غرفة نوم لم تعرف عطر امرأة من قبل.. زجاجات شراب فارغة. كؤوس محطمة. كتب على رفوف خشبية قديمة يعلوها الغبار. أوراق صفر لم تزل أختام الولاة عليها. عباءات من ماضٍ ملقاة على درج قصور شهرزاد وألف ليلة وليلة. خناجر لها قبضات من ذهب وغدر. هز برأسه " ما هذه الكوابيس؟ " تناول الكاتب مصب القهوة. كان البخار يتصاعد على شكل سحابة صغيرة. رائحة الهيل المنعشة ملأت المكان. شرب فنجاناً من أجل الأحلام، وفنجانين من أجل ساقية الحبر، وثلاثة فناجين من أجل امرأة تشبه الصبح، وخمسة فناجين من الزنجبيل وجوز الطيب، من أجل مدينة غادرت أسوارها بلا عذرية، ولا حراس. حاول أن ينهض عن صقيع البلاط ترنحت مشيته. قال لنفسه يبدو أنني أفرغت كل تلك الزجاجات في جوفي. حاول أن يخرج من ماضيه، من يأسه. دخل إلى الحمام. تقيأ. شعر بالراحة قليلاً. ترك جسده تحت الماء البارد. وقفت لـه الكوابيس بالمرصاد. ضحك الرجل من نفسه. أكان كل هذا مجرد حلم. ارتدى ملابسه وراح يصب القهوة، ويشرب نخب المدن المترامية الأطراف.
دمشق: 9/4/2004.
نيسان أقفل نوافذه الربيعية موشحاً بالليل، وحده أبو نواس ظلّ ساهراً يردد قوافي الشعر على مدرج من أنين، لم تزل بحة صوته ووقع نغماتِ حروفه تشكل سحابة من دمع يبلل صباح المدينة، يساهر قمرها، يدق على نوافذها المغلقة، تهدل نغماته كرف حمام. وحيداً يتجول أبو نواس في الشوارع والحارات الضيقة، تلاحقه عيون العسس ونباح الكلاب الضالة، يرنم قصائده على ضفاف نهر أوجعه عبوره إلى الساحات العامة في مدينة تنغلق عليها بوابات الوجع، أذهله كل ما يعدُ لها من أصناف الحقن المهدأة كي تنام باكراً، بعد أن خرجت المدينة من غرفة العمليات المبرمجة وفق أحدث مبتكرات العولمة الطارئة للولادات الحديثة، لولادات أطفال الأنابيب، وقفت على أبواب غرفة النوم السرية تخلع عنها أثواب الزينة البدوية وغبار الفيافي ولغة الشعر الجاهلي، لم تعد الخيمة مناسبة، كان عليها أن تخرج ذاكرتها.. من دواوين المتنبي والنواب والجواهري وحكايات الرواة. تمشي باستحياء إلى مخدعها الليلي، تشعل الأضواء الحمراء الخافتة كأنها امرأة تخرج من سواد تاريخها، تنحني للريح العاصفة، تحني رأسها أمام سرير سيدها، تدور الدورات السبع حول السرير، تنفتح في وجهها أبوابٌ وغابات من الأسرة، وبصوت غنوج تهمس: عبدتك بين يديك، للطاعة وتنفيذ الأمر. يلتفت الرجل حول نفسه مندهشاً، يفتل شاربيه الأسودين، يدور حول نفسه دورات سبعاً، لا يصدق ما يراه ويسمعه، راح صوته يعلو شيئاً... فشيئاَ كأنه يهذي. يا إلهي في النهار كانت هذه المرأة تستخدم قوتها لتصفع رجولته تستعبد ذكورته. كانت تعرف تفاصيل حياته " هيكلاً منفوخاً كطبل فارغ ". تلهو به، تدحرج سني عمره بقدميها فوق صقيع سريرها، تدعكه فيتصبب من جسده عرق لـه رائحة نتنة، وهو يحاول أن يثبت فحولته كما يفعل باقي رجال القبيلة مع النساء الحرائر.
قال لنفسه: أي فحولة أمام امرأة تركت بين ذراعيه كل جمالها دفعة واحدة. كان يلهث تعباً، من ثقل جسده المحشو بأصناف الطعام، أمسكت المرأة برأسه الضخم الذي لا يحوي إلا الصراخ والأوامر. جرته إلى صدرها الناهد، لكنه لم ييأس، فتَّل شاربيه ثم أغمض عينيه، وأشار إليها كالأبله، أنت سيدتي تقصدين بكل هذه الأناقة وهذا العطر رجلاً مثلي!
خلعت آخر ما يستر بياض جسدها الفاتن، مدت يدها الناعمة وبكل دلال أطفأت أنوار المدينة " تاهت المدن " وأسدلت ستائرها السود. حالة من سواد " تعم الدنيا، تتحول إلى غيمة تمطر وحلاً وأسئلةً، تاهت عن الدروب لم يعد أحد يدري إلى أين تقوده خطاه. صارت المدينة قطعة من ليلٍ لا نهاية لـه، مدينة تمشي بلا اتجاهات، حكايات تنقلها الريح. تقف على بوابات القصور " وأي قصور " وأسوار الحدائق المغلقة. حافيةً تركض في الشوارع الخالية من الناس. بهدوء ضغطت بأصابعها فوق زر صغير أضاءت مصباحاً خافتاً. انعكس لونه الأحمر على السرير. أدارت مفتاح آلة التسجيل. موسيقى راقصة. ليلٌ وموسيقى. ربطت حول خصرها شالاً من شعارات أغفلها ورَّاقو المدينة. صوت من عمق الليل يتعالى: لا تصرخي، لا تندهي فلا أحد يجيب! دوي يهز الأبواب. يتطاير زجاج النوافذ. مدت يدها لتأخذ بيده. كان يتكوم جثة تحت السرير، وكمن يفقد ذاكرته في اللحظات الحرجة أو الحوادث، شعرت كأنها تطير بلا أجنحة وقد تاهت عن تاريخها الموغل في القدم. راحت تغني وترقص على أنغام الجنائز وأزيز الرصاص. احتار الرجل ماذا يفعل وقد غدرت به فحولته أمام هذه المرأة المتألقة جمالاً وأنوثة، تارة تريده رجلاً، وتارة تابعاً تهزأ منه. لم يجرؤ يوماً ابن امرأة على اختراق مسرح شهرزادها الليلي أو الاقتراب من أسوار حدائقها. سحابة من غبار ورمل حارق. تركت فوقها ظلاً رمادياً ثقيلاً، تراكم فوق صدرها. التف حول عنقها كعقدٍ ثمين. توغل إلى جسدها توسد ثيابها الداخلية. صرخت. استجارت بأبناء القبائل الأقرب ثم الأقرب. حملت الريح استغاثتها إلى المضارب الممتدة من البحر إلى النهر، إلى الصحارى والسهول الداخلية. مشت مع مجرى الأنهار. تسلقت قمم الجبال. غاصت تحت موج البحار. اجتازت كل الوديان والهضاب. " ما في حدا " فيروز قد سبقها الزمن " لم يزل رنين أجراس العودة معلقاًً على بوابات الكنائس ومآذن الجوامع ومسرح الرحابنة!.
قالت المرأة: يبدو أنَّ في آذانهم وقراً " صمٌ، بكم عميٌ، فهم لا يفقهون" عبر الزمان تاه صوتها. بينما الرجال يمشطون لحاهم، ويفتلون شواربهم وهم يراقبون عارضات الأزياء على الشاشات التلفازية المتعددة والتي تنقلها الأقمار الصناعية المصنعة خصيصاً للقبائل، والمضارب والبوادي، والنساء كن منشغلات بنتائج مسابقات الجمال والأغاني الراقصة للنوادي الغربية. دوي غامض يهز النوافذ. تصرخ المرأة المدينة الحالمة. لا أحد يسمع صوتها. تمر الأيام. تعبر في شوارعها القديمة قوافل محملة بالتمر والبن، ودواوين الشعر. تمر من خلف صفحات تاريخ عبثت فيه أقلام الوراقين، وحفظة الأحاديث، والذين ليس لهم خبرة بأمور البادية والصحارى.
هو الغبار اللعين يحمل إليها ملامح السواد، حين عبر كل أسوارها صرخت المرأة من جديد. شيء ضاع منها. شعرت أنها تفقد الأشياء الجميلة والغالية الثمن. تقطعت حبالها الصوتية حين فقدت عذريتها جهاراً.
في تلك اللحظة، كانت نوافذ القصور مغلقة، والريح غربية تعوي في زوايا العتم، زوبعة رمل تغلق الأبواب ومسالك الطرقات في وجه الرجال كل الرجال! كأن الفجر تأخر، والمرأة المدينة تبكي ما ضاع منها، حين لم تجد من ينجدها، بلعت دمعها بحرقة، ثم رويداً رويداً تصالحت مع الوضع الراهن لتصبح مع الأيام امرأة ليل تبيع أنوثتها لمن يشتهي، صارت تؤدي طقوسها اليومية في وجود هذا الهيكل الذي لم يزل يحمل ملامح الرجال. صمت.. الأمكنة صامتة. الليل ومواء قطط الجوع، وبكاء أطفال تشردوا بفعل الريح والغبار. صمت في كل مكان، إلا صوت أبي نواس، كان يغني قصائده، بينما يوزع على البيوت الطينية سعف النخيل ودقيق القمح، وبضع حبات التمر. لا أحد إلا الرجل. والمرأة ترقص بثوبها الشفاف. هاجت رجولته. خلع كبرياءه. أتاها زاحفاً جاثياً على ركبتيه ويديه. تمرغ بعطر جسدها. مررت ساقيها فوق كتفيه " مدينة بلا سور " تزف نفسها إلى رجل بلا ذكورة. يلفه كل ما يوحي بالاغراء، كان يرتجف بين ذراعيها العاريتين خجلاً من وهنه، وماضيه. استسلمت المرأة لـه بانتظار الفجر. حرق السؤال شفتيها. وهل هناك فجر؟ أغلقت المدينة بوابات قلعتها.. وهل هناك قلعة؟ لم تبقِ الريح الغربية، لا قلعة، ولا أسوار.. ولا نوافذ.. ولا رجال، الحيرة تكاد تقضي على المرأة، دخلت غرفة نومها بحذر لتمارس هواياتها السرية؟ شعر الرجل أنه مرهق وأن حالته تستدعي الاتصال بطبيب الأمراض العصبية.
المرأة: جن الرجل.
الرجل: لم أجن يا امرأة من نار وحرائق.
صمت مخيف، فتح الرجل النافذة المطلة على عويل النساء المتشحات بالسواد منذ أول غبار معركة انتصر فيها الظلم على الحقيقة، أدهشه ما يجري. أنهر من الدمع والدم جرت تجرف في طريقها حصى البادية والطرقات الوعرة، حزن خانق، تقطعت أوتار العود، نز الدم من أصابع أبي نواس وهو يلقي مقتطفات من شعره في قاعة مغلقة لمحكمة أقامها الرواة والوراقون وكتبة دواوين السلطان. وحدك أبا نواس متهم بالمجون وشرب الخمر على قارعة الطرقات، وحدك أبا نواس تقول شعر الحقيقة، ظل أبو نواس يرتل شعره بالرغم من اعتراض الرواة والعسس ومواء القطط التي تغوص في أكوام القمامة تفوح من نفسها رائحة عفنة. أرادت المرأة أن تظهر مفاتن جمالها للرجل، على أن يستعيد بعضاً من رجولته. أشعلت الضوء. خاف الرجل، سألته بلهفة هل تخاف الضوء؟ قبل أن يجيب أسرع إلى النافذة أغلقها، وقف مندهشاً " الظلمة تخفي عيوبنا " كان حائراً ماذا يفعل أمام امرأة تشبه نور الصباح، تفرش جمالها بين يديه؟ لم يكن يتوقع حدوث ذلك حتى في أحلامه. أحس برعشة باردة تجتاحه من رأسه إلى أسفل قدميه، بدأت حبيبات صغيرة من العرق تتشكل فوق جبهته، وعلى جلده، شعر الرجل بسائل ساخن يجري بين ساقيه، بلل السائل أوراقه المبعثرة فوق أرض الغرفة. شكل السائل ساقية من حبر لـه رائحة عفنة تدفق السائل بقوة. فتح ثغرة في أكوام القمامة. تسلل من خلال شقوق الباب الخشبي. عبرَ مسرعاً درجات حجرية تؤدي إلى الشارع العام. ربما من الخوف أو من القهر، أطلقت المرأة ضحكة قوية ثم ألقت بعريها فوق جثة الرجل. الخوف جعله يقفز محتجاً في أرجاء الغرفة. أحس كأن جسدها تحول إلى ثعبان يتلوى. يطوق عنقه. يشد الخناق عليه. صرخ الرجل بصوت عالٍ. حاول أن يتخلص منها. دفعها بقوة. سمع دوي سقوط على الأرض. صرخ من شدة الألم. كان جسد الكاتب يتمدد على صقيع البلاط وحيداً. تحسس أطرافه. نظر حوله. بقايا أوراق ممزقة. سرير غير مرتب.. غرفة نوم لم تعرف عطر امرأة من قبل.. زجاجات شراب فارغة. كؤوس محطمة. كتب على رفوف خشبية قديمة يعلوها الغبار. أوراق صفر لم تزل أختام الولاة عليها. عباءات من ماضٍ ملقاة على درج قصور شهرزاد وألف ليلة وليلة. خناجر لها قبضات من ذهب وغدر. هز برأسه " ما هذه الكوابيس؟ " تناول الكاتب مصب القهوة. كان البخار يتصاعد على شكل سحابة صغيرة. رائحة الهيل المنعشة ملأت المكان. شرب فنجاناً من أجل الأحلام، وفنجانين من أجل ساقية الحبر، وثلاثة فناجين من أجل امرأة تشبه الصبح، وخمسة فناجين من الزنجبيل وجوز الطيب، من أجل مدينة غادرت أسوارها بلا عذرية، ولا حراس. حاول أن ينهض عن صقيع البلاط ترنحت مشيته. قال لنفسه يبدو أنني أفرغت كل تلك الزجاجات في جوفي. حاول أن يخرج من ماضيه، من يأسه. دخل إلى الحمام. تقيأ. شعر بالراحة قليلاً. ترك جسده تحت الماء البارد. وقفت لـه الكوابيس بالمرصاد. ضحك الرجل من نفسه. أكان كل هذا مجرد حلم. ارتدى ملابسه وراح يصب القهوة، ويشرب نخب المدن المترامية الأطراف.
دمشق: 9/4/2004.

Tidak ada komentar:
Posting Komentar