Minggu, 16 Maret 2008

CUPLIKAN: NASKAH DRAMA

الدكتور محمد إسماعيل بصل
المشهد الأول
)مقر فرقة مسرحية، يتجمع فيه عدد من الممثلين والممثلات، ويتوافد بعضهم الآخر بين الفينة والأخرى، يبدو على الجميع الانتظار، فالأستاذ فتحي لم يصل بعد، ويبدو أنَّ ثمة نقاشاً بين أعضاء الفرقة لم يحسم بعد).‏

سمير : لقد تأخر الأستاذ فتحي.‏
هيثم : ليست المرة الأولى التي يتأخر فيها مخرجنا.‏
سعاد : أنا عندما أتأخر خمس دقائق ينظر إليّ بعينين ناريتين، ويتمتم بكلمات كم أتمنى لو أفهمها.‏
وفاء :(مازحة) أنا أفهمها.. إنها محملة بمعاني الشتائم وموجهة لك ولأبيك.‏
برهان : أنتم تظلمون الأستاذ فتحي.. إنه لايشتم أحداً إلاَّ من أجل مصلحته ومصلحة العمل.‏
سمير : الآن عندما يحضر سوف أشتمه من أجل مصلحته ومصلحة العمل.‏
برهان : أنت بالذات لا يحق لك الكلام.. فالأستاذ فتحي يفضِّلك على جميع أعضاء الفرقة.‏
سمير : ولماذا لايفضلني، طالما أنَّ أعمال السخرة كلها تقع على كاهلي..‏
هيثم : إنك تقبض أجرتها دور البطولة في كل المسرحيات.‏
سمير : تُسند إليَّ أدوار البطولة- ياأستاذ - لأنه لايوجد في الفرقة من هو أفضل مني للعب هذه الأدوار‏
سعاد : إنك دون شك ممثل جيد لولا هذا الغرور الذي يمنعك من العيش مع الآخرين بسلام.‏
سمير : لست بحاجة إلى نصائحك وتحليلاتك الفلسفية العقيمة.‏
برهان : لاتتكلم بهذه الطريقة مع زملائك، لو لم نعرفك جيداً، ونعرف أن قلبك أنقى من قلب طفل، لما كلمناك أبداً..‏
سمير (يشعر بالإحراج، فيحاول تغيير الموضوع)‏
المهم، هل ستُخبرون الأستاذ فتحي بالمسلسل.‏
غسان : أنت تعرف رأيه بالمسلسلات، ولاأعتقد أنه سيوافق.‏
سمير : ولماذا لا يوافق؟ هذه فرصة لنا جميعاً، وعندما يرانا متفقين على العمل، فلا شك أنه سيوافق ويقتنع بالأمر الواقع..‏
وفاء : طريقة لوي الذراع هذه لا يحبها الأستاذ فتحي، ولا يجوز أن نستخدمها معه.‏
سمير : ولكن ماذا يعطينا الأستاذ فتحي؟ ماذا يقدم لنا؟.. ثلاثة أشهر من التدريبات المستمرة، على حساب وقتنا، وعائلاتنا، ماذا تأخذون في نهاية العمل؟ مكافأة لاتشتري قميصاً.. تسعة مشاهد في التلفزيون، في يوم أو يومي تصوير، تقبض ثمنها ما يعادل راتب ثلاثة موظفين، ناهيك عن الشهرة، فأنت تمثل عشرين مسرحية ولا أحد يسمع بك، بينما تظهر على التلفزيون مرَّة واحدة، ترى السَّمان والجزار والحذاء وبائع الخضار وصبايا الحي يحيونك باحترام.‏
غسان : ولكنْ للمسرح متعته.‏
سمير : لاتحدثني عن المتعة والفائدة، والرسالة السامية، والحالة الفكرية، والمشهد الثقافي، فالأستاذ فتحي ملأ أنفى بهذه الخطابات.. وأصبحت أعرفها أكثر منه، حتى الأستاذ فتحي لم يعد مقتنعاً بهذه الأمور.. هل بإمكانكم أن تقولوا لي، لماذا عزف مخرجنا الملتزم عن الأعمال العبثية والتراجيدية الصعبة، ولجأ في الآونة الأخيرة إلى الكوميديا؟‏
برهان : ولكن الكوميديا التي نقدمها.. كوميديا راقية، كوميديا موقف، بعيدة عن الصراخ والتهريج، وإلقاء النكات الرخيصة.‏
سمير : المهم أنه أصبح يهتم بالكوميديا، بعد أن عقَّدنا وعقَّد الجمهور بالأعمال (يقلّد الأستاذ فتحي) التي تخاطب العقل وتحرضه على اتخاذ موقف إزاء ماهو طبيعي.‏
سعاد : ومن قال لك، إن الكوميديا لاتخاطب العقل؟‏
سمير : عدنا إلى الفلسفة والتنظير، ولكن الحق ليس عليكم، فأنتم لم تتعاملوا مع مخرج غير الأستاذ فتحي، ولقد جلدكم بهذه الوصايا التي لن تتخلصوا من عبئها أبداً.‏
وفاء : طيب! قل لنا يا أيها الفنان العظيم، لماذا يهتم أستاذنا بالكوميديا هذه الأيام؟‏
سمير : لأن مسرحية " الذئاب الصامتة" التي قدمناها منذ ثلاث سنوات لم يحضرها أكثر من خمسمائة متفرج خلال ستة عروض، ومسرحية "العنكبوت" التي لعبتُ فيها دور البطولة، وأنتم كلكم كنتم أشباحاً وراء الستار، لم يأت إليها أكثر من مائة شخص ثم توقف العرض، أما مسرحية "حكاية رجل قتل حماته" التي قدمناها السنة الفائتة، فإنها شدت انتباه الجمهور والصحافة، ومدّدنا عرضها أكثر من مرة.. الجمهور لايريد أن يجلده أحد في صالة مظلمة بنصائح وشعارات، إنه يدفع ثمن التذكرة ليضحك ويتسلى.. افهموها، فهي لا تحتاج إلى تعقيد..‏
) يدخل الأستاذ فتحي وقد بدا عليه الإحراج لتأخره عن موعد البروفة- يتجه نحو مكتبه ويضع الحقيبة ويُخرج منها أوراقاً كثيرة)‏
الأستاذ فتحي: أنا آسف يا جماعة، فالحق ليس عليّ، بل على آلة التصوير والكهرباء. لقد وعدتكم أن أوزع عليكم المقال الذي ترجمه الدكتور سامح حول المسرح الياباني، وبالفعل ذهبت إلى المكتبة قبل ساعتين.. إلاّ أن الآلة تسخن بعد تصوير عشرين ورقة ويجب أن ترتاح بعدها ربع ساعة، والكهرباء أيضاً أرادت أن ترتاح نصف ساعة.. ولكن لابأس، فها هو المقال بين أيدينا الآن، (يتوجه إلى سمير) تعال سمير وزع هذه الأوراق على الزملاء.‏
سمير : (يتقدم باتجاه مكتب الأستاذ فتحي ويأخذ الأوراق) ولكن.. أستاذ... هناك موضوع كنا نريد أن نتحدث.. (يقاطعه).‏
الأستاذ فتحي : كلكم؟.‏
سمير : كلنا.. كنا نريد أن نقول لك إن كان ثمة من إمكانية للعمل مع.. مع الأستاذ فرزت.. فلقد عرفنا أنه وصل بالأمس مع (كاست) العمل و...‏
الأستاذ فتحي : (غاضباً) ويريد كومبارساً، ليقفوا في خلفيات مشاهده.. وأنتم مستعدون طالما أنكم ستقتربون من النجوم وتقبضون مالاً عظيماً تتغلبون فيه على قهر الحياة وبؤسها! (يحاول سمير أن يتكلم فيقاطعه الأستاذ فتحي غاضباً) كفى.. لقد تكلمنا في هذه الأمور مرات ومرات... أنتم أحرار. جميعكم أحرار، وهذه الفرقة لا تقدم لكم رواتب شهرية، وأنتم غير ملزمين بالعمل، فمن أراد أن يبقى، فأهلاً وسهلاً، ومن أراد أن يذهب، فالباب كبير..!‏
هيثم : ولكن يا أستاذ.. لماذا لانتحاور؟ ، التلفزيون جاء إلينا ونحن لم نذهب إليه وهي فرصة طيبة لكل الذين يعملون في مجال المسرح من ثلاثين سنة ولم يسمع بهم أحد في هذه المدينة.‏
الأستاذ فتحي : ومن قال لك، إنَّ أحداً لم يسمع بكم. إنَّ الجمهور الذي لم يكن موجوداً من قبل، وبفضل أعمال فرقتنا والفرق الأخرى التي تحترم المسرح، صار ينتظر جديدكم ويقدر فنكم..‏
سعاد : ولكنك قاسٍ جداً على التلفزيون ياأستاذ، بالرغم من معرفتك بأن معظم الممثلين في التلفزيون كانوا من هواة المسرح ومحترفيه.‏
الأستاذ فتحي : أنا لست ضد التلفزيون ياسعاد، على العكس، هناك أعمال مهمة جداً ستبقى خالدة في أذهان الناس، وأنا متأكد بأنه سيكون هناك أعمال في المستقبل تضاهيها، ولكن أنا ضد أن يقتحم التلفزيون كل شيء حتى المسرح ويلغيه. أنا ضد هذا التكرار السخيف للحكايات التلفزيونية التي تستلب عقل المشاهد وتهمش وعيه، أنا ضد أن يمارس التلفزيون سلطته المادية على فناني المسرح.‏
سمير :(برماً) ولكن المسرح لايطعم خبزاً يا أستاذ (يحاول الأستاذ فتحي أن يرد على سمير بحدة، فتقاطعه وفاء).‏
وفاء : بل يطعم شهداً يا فنان.. هل تعرف أن عدداً لابأس به من نجوم السينما في أوربا لاذوا بالمسرح في الآونة الأخيرة؟‏
برهان : بعدما دُججت خزائن البنوك بأموالهم جاؤوا ليتسلوا على خشبة المسرح.‏
وفاء : بل جاؤوا ليتمتعوا، ليشعروا باللذة التي لايعرفها إلاَّ من وقف على الخشبة‏
)تلتفت إلى الأستاذ فتحي)، أليس كذلك أستاذ؟.‏
سمير : كلام.. كلام.‏
الأستاذ فتحي : هذا ليس كلاماً.. بل حقيقة.. ولنؤجل هذا النقاش إلى وقت آخر لو سمحتم ولنبدأ العمل، هذا النص الجديد الذي بين أيدينا سيحدث هزة.‏
سمير :(بصوت منخفض) وكم من هزات تحدث دون أن يشعر بها أحد.‏
الأستاذ فتحي : دعونا نقرأ النص.‏
غسان : هل ستوزع الأدوار اليوم يا أستاذ؟‏
الأستاذ فتحي : قد أوزعها اليوم.‏
سعاد : لقد حفظنا الأدوار تماماً.‏
الأستاذ فتحي : طيب.. لنقرأ المسرحية مرة أخرى.‏
سعاد : ولكن ليس قبل أن نشرب الشاي.‏
هيثم : اليوم دور برهان.‏
برهان : من يومين كان دوري..‏
)لغط بين أعضاء الفرقة وقد ساد جو من الودِّ والتفاهم).‏

الأستاذ فتحي : لاتختلفوا.. الورقة معي.. لحظة‏
)يبحث عن ورقة في حقيبته ثم يقرأ فيها) اليوم دور غسان بتحضير الشاي ودور برهان بغسل الفناجين..‏
إطفـــــاء‏


المشهد الثاني
)مكتب على يمين المسرح، يجلس خلفه رجل في الأربعين من عمره، يبدو منشغلاً جداً بمكالمة هاتفية، بينما يجلس شخصان لايتكلمان، بل يتبادلان النظرات فيما بينهما وانتظار صاحب المكتب، يمكن أن يكون كلام هذا الرجل باللهجة العامية)‏
عبد الغفار : ياحبيبي.. ياحبيبي لانستطيع الانتظار أكثر من ذلك. داهمنا الوقت يا أستاذ عبد اللَّه...الله يرضى عليك فريق العمل جاهز، والمخرج ينتظر هناك في الفندق.. ( صمت) لا يمكن أن يبدأ التصوير قبل أن نؤمن له بطل المسلسل يا عيني. (صمت) طيب هل اتصلت بـ نوري؟ (صمت) ماذا تقول؟ طلب مبلغاً أكبر من المبلغ الذي طلبه شهير؟ أصبحوا نجوماً الآن! طيب ولكن الحق ليس عليهم. حاول أن ترى صبحي السالم، وقل له إن الحلقة بـ15000 (صمت) ماذا؟ يريد أن يقرأ السيناريو! ياسلام.. ياسلام.. حتى صبحي صار يضع شروطاً.. (صمت) أخي لاتتصل بأحد.. أنا مسافر الآن، ولن أتصل بأي ممثل وسأتحدى المخرج بممثل لم يقف أمام الكاميرا في حياته (صمت)،.. أخي هناك يوجد عشرات الممثلين الذين يشتغلون في المسرح، وسأختار منهم بطلاً للمسلسل بألفين للحلقة الواحدة. لست أنا الذي يلوي ذراعه ممثل، مع السلامة.. (يضع السماعة.. ثم يلتفت إلى الضيفين)‏
واللّه لم يعد ينقصنا إلاّ هؤلاء الممثلين الذين يظنون أن التلفزيون سيتوقف عن العمل من دونهم.. أنا سأصنع نجماً جديداً في هذا المسلسل، وعندما يغتر هذا النجم، سأصنع نجماً آخر في مكان آخر.. الممثلون أكثر من الهمّ على القلب. (يأخذ السماعة، ويطلب رقماً..)‏
ألو.. أستاذ فوزي.. كيف الحال؟ كيف الأولاد؟ كيف الطقس عندكم؟ أخي.. الأستاذ فرزت عندكم الآن.. وأنا سأصل إليكم غداً صباحاً. أريد أن ألتقي مع الممثلين الموجودين عندكم في الساعة الخامسة بعد الظهر (صمت) في الخامسة تماماً.. أكون مع الأستاذ فرزت.. أرجو أن تخبر الجميع أننا سنجري لهم امتحاناً سريعاً، (صمت)..‏
الأدوار مهمة جداً.. لايوجد أقل من عشرين مشهداً.. ناهيك عن دور البطولة، (صمت) نعم بطولة المسلسل ستكون من عندكم.. (صمت) نعم.. نعم اتصل بالجميع الصغير والكبير.. شكراً.. إلى اللقاء.‏
)يضع السماعة يلتفت إلى الضيفين) أنا آسف ولكن كما تلاحظون. فإن القضية مستعجلة ومهمة جداً.. بعدما اتفقنا مع الممثل، اكتشفنا أنه متفق مع ثلاثة مخرجين في وقت واحد..‏
وعندما شعر الآخرون أننا في ورطة.. أصبحوا يطلبون مبالغ خيالية. حتى صبحي السالم الذي لم يعمل منذ سنتين، يريد أن يقرأ السيناريو قبل أن يوقع العقد.. ماشاء اللّه.. ماشاء اللّه.‏
بهج : (مجاملاً) لاتغضب أستاذ.. الممثلون كثر، وبإمكانك أن تطلب أيَّاً كان وبأي مبلغ.‏
عبد الغفار : لا.. كلهم أصبحوا يعرفون اللعبة الآن، ولم يعد أحد يقتنع بالقليل..‏
ابراهيم : نحن أتينا في وقت غير مناسب، ولكن لابدَّ من معرفة مصير نص الأستاذ بهجت (يشير إلى الشخص الجالس بجانبه)‏
عبد الغفار : أنت قدمت لنا نصاً أستاذ؟‏
بهجت : نعم.. وكان بعنوان كبرياء شاعر.‏
عبد الغفار : آه.. تذكرت.. أعاده مستشارنا الدرامي من يومين، وأعتقد أن التقرير هنا(يبحث بين الأوراق المبعثرة على مكتبه)‏
بهجت : هل وافق المستشار الدرامي على النص؟‏
عبد الغفار : (مازال يبحث عن التقرير) للأسف لقد رفض النص.. ها.. هاهو التقرير.. يقول التقرير ياسيدي (يبدأ بقراءة التقرير) يتحدث نص عن عبقرية شاعر..‏
بهجت : (يقاطعه) كبرياء شاعر.‏
عبد الغفار : ذات الموضوع.. ذاته.. شاعر نشأ في بيت فقير، تعلم اللغة على يد أبيه... (يقرأ بطريقة سريعة ولايفهم من كلامه شيء).. المهم.. نصل إلى الرأي الفكري.. يقول المستشار الدرامي إن بطل الحكاية، رجل عبقري يشقى بعقله، ونحن نتفق مع الكاتب في رؤيته، ولكننا نختلف معه في اعتزال المثقف عن عالمه، والانطواء على ذاته، فمن ذا الذي طوَّر العالم، وبنى هذه السلسلة الطويلة من الحضارات في تاريخ البشرية، وارتقى بها إلى ماهي عليه الآن؟‏
ابراهيم : (يحاول أن يتدخل) ولكن ياأستاذ.. شخصية المتنبي..‏
عبد الغفار : (يقاطعه، متابعاً قراءة التقرير) أليس الإنسان المتفرد بالذكاء والفكر القادر على المحاكمة، أو على الإبداع؟‏
بهجت : ولكن ياأستاذ.. الشخصية معروفة...‏
عبد الغفار : (يقاطعه متابعاً قراءة التقرير بطريقة آلية) فلو أن مثل هذا الإنسان، اختار العزلة والانطواء على الذات، منساقاً مع ازدرائه للآخرين البسطاء لظلت الحياة البشرية حتى الآن تراوح في طور النشوء، دون بلوغ طور الارتقاء... إن الفكر والثقافة يؤديان إلى الوعي بطبيعة الحال، والوعي يعني المسؤولية، والتقرب من صفوف الشعب، لا الابتعاد عنه واحتقاره، والشاعر يحتقر الصغير والكبير، ومن غير المعقول أن يزدري الشاعر مجتمعه الذي نشأ فيه وتعلم منه.‏
بهجت : هذه شعارات لاعلاقة للنص بها لامن قريب ولامن بعيد.‏
عبد الغفار : الرأي الفني.. يقول المستشار المعتمد لدينا إن السيناريو جيد جداً، ويدل على موهبة أصيلة في هذا المجال.‏
بهجت : (يضحك) هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها سيناريو للتلفزيون ياأستاذ، ولكن عندي عدد كبير من القصص والمسرحيات المطبوعة والمنشورة...‏
عبد الغفار : الرأي النهائي؟ نقول مع الكاتب: ذو العقل يشقى هذا صحيح، ولكنه شقاء القائد الذي يحقق معادلة فريدة من نوعها في هذه الحياة لأنه شقاء لذيذ، وشقاء يحقق لصاحبه قيمة فريدة أيضاً. فبهذا يسمو، لا بالاعتزال والتكبر، وهكذا فإننا نختلف مع الكاتب في أن نصه سلبي تماماً ولايمكن قبوله (يضع التقرير جانباً)، أنا آسف أستاذ.‏
بهجت : (وقد كتم غيظه) شكراً.. شكراً ياأستاذ على تلاوتك للتقرير لقد أتعبت نفسك.. وشكراً للمستشار الدرامي العتيد الذي أجهد نفسه بقراءة أكثر من ألفي صفحة، وأشكره على رفضه للنص، لأنه سلبي (ينظر إلى إبراهيم).. وأشكره جداً على إطرائه بأن السيناريو جيد جداً ويدل على موهبة أصيلة في مجال كتابة السيناريو، لكن هل بإمكاني أن أحتفظ بهذا التقرير ياأستاذ.‏
عبد الغفار : بالطبع لا.. فالتقرير سيسجل في الديوان، ويحفظ في الأرشيف، وليس من حق أحد الاطلاع عليه سوى صاحب العلاقة، وهذا مافعلناه الآن.‏
إبراهيم : ولكن يجب أن تعلم أيها السيد، بأن الأستاذ بهجت وهو باحث وأديب معروف، قضى ثلاث سنوات في البحث عن شخصية شاعرنا العبقري المتنبي وقدَّم دراما تشرف التلفزيون العربي، وإذا كان المستشار ليس من محبي الشعر العربي القديم، أو أنه لايحب شخصية المتنبي، فإن ذلك لايسوِّغ له رفض النص.. هو قال إن السيناريو جيد ويدل على موهبة أصيلة في فن كتابة السيناريو، فليدع للكاتب حرية تقديم شخوصه، مستشاركم الدرامي رفض المتنبي يا أستاذ ولم يرفض الأستاذ بهجت.‏
بهجت : دعهم يرفضون كما يشاؤون.. كنت أعرف أن الجوَّ موبوء، ولكن لم أكن أعرف أنهم قادرون لهذه الدرجة على تسفيه الأعمال الجادة، وتسويق الأعمال الهابطة.. من يقرأ هذا التقرير، يقول، ياللموضوعية، ياللجدية ، ياللمسؤولية.. وياللثقافة العالية، ولكن عندما يتذكر أن ثمة كتاباً تقبل أعمالهم، وهم لاعلاقة لهم لابالكتابة ولابالأدب ولابالتلفزيون، فإنه يصاب بإحباط ويشعر بالمرارة (بصوت عالٍ).. أنا سأكتب في الصحف والمجلات ياأستاذ.. سأفضح هذه الأوضاع التي يتغذى فيها الطفيليون ويجوع المبدعون الحقيقيون.. أنتم لاتبحثون عن الأصيل والجديد، بل تطلبون الهابط والتافه.. قل لي من فضلك من هو هذا المستشار الدرامي، حتى أتشرف بزيارته وأناقشه.‏
عبد الغفار : (وقد نهض من خلف مكتبه).. ياأستاذ.. قلت لك قبل هذه المرة.. اكتب شيئاً عصرياً.. دعك من التاريخ والبحث والتنقيب.. اذهب إلى الأحياء القديمة.. إلى الأسواق الشعبية، وستتعرف على ألف حكاية وحكاية.. الجمهور يُقبل على السهل، ويعزف عن الصعب والمعقد.‏
إبراهيم : هذا ليس صحيحاً.. أنتم تسعون وراء السهل لأنه يوفر عليكم و...‏
عبد الغفار : (يقاطعه).. أنا آسف.. ولكن لابدَّ من الذهاب، فنحن مقبلون على عمل ضخم كما سمعت ويجب عليَّ أن أنهي بعض الأعمال .‏
بهجت : (غاضباً) إن الرساميل الخاصة التي اقتحمت التلفزيون باحثة عن مشاريع واستثمارات لايهمها الفن ولاتفتش عن الفكر ولايعنيها ذوق المشاهد.. إن كل ماتفكر به يتلخص بأرقام نقدية سخرت للحصول على أرقام أكبر. ولكن صدقني ياأستاذ.. لن يصح إلا الصحيح.‏
عبد الغفار : (محافظاً على برودة أعصابه)، يا أستاذ بهجت.. أنت قدمت نصاً، ونحن قرأناه، ورأينا أنه لايتناسب مع الخطة الإنتاجية لشركتنا، بإمكانك أن تعرض هذا النص على شركات أخرى أو على التلفزيون، قد يناسبهم هذا العمل...‏
إبراهيم : ولكن مستشاركم الدرامي رفض النص لأن الشاعر سلبي في مواقفه مع أبناء مجتمعه، ولم يقل إن النص يكلف مبالغ كبيرة، بما أن الأمر يتعلق بالكلفة الإنتاجية، فلماذا يتنطع هذا المستشار لنقد النص، ويدجج تقريره بشعارات طنانة بعيدة كل البعد عن الموضوعية والمنهجية، ليقل إن كلفة النص كبيرة وينتهي الأمر.‏
عبد الغفار : ياأستاذ إبراهيم، إن نص الأستاذ بهجت لم يرفض لأن كلفته باهظة وحسب، بل لأنه خرق البنود التي توجب المنع المعروف لدى الجميع.. هذا العمل لايسوق إلا في بلد أو بلدين.. وبالتالي فإن الخسارة ستكون فادحة.‏
ابراهيم : تقصد أن الربح لن يكون فادحاً، ولماذا نقبل بهذه البنود الوافدة إلينا؟ ياسيد عبد الغفار، إذا سلمنا بهذه البنود، فإننا سنرى فناً هابطاً يفتك بالثقافة والفكر ويخرب حياة الناس.‏
عبد الغفار : (ينظر إلى الساعة في يده) نحن نتعامل مع السوق.. والسوق له قوانينه ياأستاذ إبراهيم.‏
أنت صديق قديم وتعرف هذا الأمر جيداً، وأرجو أن تشرحه للأخ بهجت.. أنا آسف ولكن يجب علي أن أذهب الآن.. ويكفيني ماأنا فيه مع الممثلين النجوم.‏
ابراهيم : (يتأهب للخروج مع بهجت) صديقي بهجت ليس منزعجاً لأنه يعرف أن هذا الزمان ليس زمان الفن الراقي والفكر الواعي.. إنه زمان الطفيليين أمثال كاتبكم السيد عزيز الذي ستبدأون بمسلسله الجديد.. ولكن لاتظن أن الممثلين أمثال صبحي وشهير ونوري رفضوا المشاركة في هذا العمل لأنهم مشغولون بأعمال أخرى، بل لأنهم يرفضون كاتبكم ياأستاذ.. هذا الكاتب الذي يداهم أرشيف النصوص المرفوضة أو المؤجلة أو تلك التي غيب الموت أصحابها وينسبها لنفسه.. كاتبكم شبه أمي ولص ياأستاذ عبد الغفار.. ولكن هؤلاء الكتاب المزعومين هم الذين يناسبون زمانكم (يلتفت إلى بهجت) تفضل أستاذ بهجت.‏
إطفـــــاء‏

المشهد الثالث
( الفرقة المسرحية وقد انتهت من تناول الشاي، وبدأت الحوارات حول تحليل شخصيات المسرحية)‏
الأستاذ فتحي : هذه البيوت الفقيرة التي يقطنها الناس البائسون يمكن تجسيدها بطريقة عرض السلايدات.. ولكن المهم هو إبراز بشاعة الحياة التي يعيشها هؤلاء الأشخاص، وهذا يحتاج إلى مقدرة الممثلين..‏
سمير : ولكن ياأستاذ ماهذه الكوميديا التي تتحدث عن أناس منسيين مظلومين مقهورين ينامون مع حيواناتهم في مكان واحد؟‏
الأستاذ فتحي : الكوميديا التي نقصدها يا أفندي، ليست تهريجاً.. إنها الكوميديا السوداء التي تصعق المتفرج وتؤلمه.. نحن لانريد من الناس أن يضحكوا علينا، بل أن يضحكوا معنا من المصائر العجيبة الغريبة التي وصل إليها أبطال حكايتنا.‏
هيثم : على منهج شر البلية مايضحك..‏
الأستاذ فتحي : تماماً.. فكلما كنا جادين في تقديم شخصيات مسرحيتنا، وكلما ابتعدنا عن افتعال المواقف المضحكة، كلما اقتربنا من خلفية التهكم والسخرية التي تبني أفعال شخصياتنا، وبالتالي وصلنا إلى عقل المتفرج ووجدانه، ويجب أن يخرج المتفرج من المسرح، صامتاً متأملاً مفكراً، غير قادر على الطعام والشراب واللهو والتسلية..‏
سمير : ولكنَّ هذه المسرحية تراجيديا، وليست كوميديا سوداء أو بيضاء أو حتى رمادية.‏
الأستاذ فتحي : يجب أن تقرأ كثيراً حول فلسفة الضحك حتى تفرق بين الكوميديا والتهريج..‏
سمير : (مع نفسه) أصبح للضحك فلسفة عند مخرجنا الهمام..‏
(يرن جرس الهاتف.. يرفع الأستاذ فتحي السماعة)‏
الأستاذ فتحي : أهلاً.. أهلاً أستاذ فوزي. الحمد للّه الأمور على أحسن مايرام... نعم لقد بدأنا التدريبات على المسرحية الجديدة(صمت).. أه ولكن أنت تعرف موقفي من هذا الأمر ياأستاذ فوزي، وعلى العموم لا أستطيع أن ألتزم معكم حتى لاتتعارض مواعيد التصوير مع مواعيد البروفات.. طيب.. طيب، سأخبر الفرقة بالأمر(صمت) غداً الساعة الخامسة مساءً؟.. طيب.. شكراً.. مع السلامة(يضع السماعة ويلتفت إلى أعضاء الفرقة وقد بدا على وجهه الانزعاج).‏
برهان : خير أستاذ.. ماذا يريد الأستاذ فوزي؟‏
سمير : بالتأكيد بخصوص المسلسل.‏
الأستاذ فتحي : نعم.. بخصوص المسلسل، يقول إن الأستاذ فرزت، والأستاذ عبد الغفار مدير شركة البواريدي للإنتاج التلفزيوني سيلتقيان مع الممثلين غداً الساعة الخامسة مساءً.. ويقول أيضاً إن دور البطولة سيكون من هنا بعد أن يجري لكم امتحاناً.. المهم أن نعود إلى مسرحيتنا.‏
سمير : دور البطولة سيكون من هنا؟‍.. يعني..‏
الأستاذ فتحي : (مقاطعاً) قلت لكم من قبل، من يريد أن يعمل معي، فعليه أن ينسى التلفزيون على الأقل في الفترة التي نحضر فيها للعرض المسرحي.‏
سمير : ولكن يا أستاذ.. هذه فرصة ثمينة ومن غير المعقول أنك لاتريد لنا الخير..‏
الأستاذ فتحي : لاأريد لكم الخير؟.. أنت بالذات لايحق لك الكلام بهذه الطريقة، وعلى العموم، فأنا لا أمنع عنك أو عن غيرك الخير، إن شئت فاذهب إلى الموعد، ولكن اعلم أن ذهابك إلى الموعد يعني اعتذارك عن المشاركة في المسرحية.‏
سعاد : هو لا يقصد..‏
سمير : بل أقصد، وسأذهب إلى الموعد، وهذه فرصة جاءت إليَّ ولن أضيعها، مع اعتذاري من أستاذي الذي علمني أشياء كثيرة مهمة. ولكن لابدَّ من أن تقدِّر وضعي يا أستاذ وأنت الذي يعرف كل شيء.‏
الأستاذ فتحي : اذهب واغتنم فرصتك، مع تمنياتي لك بالخير. وإن شاء أحدكم أن يذهب معه، فليذهب.‏
(يسود اللغط بين أعضاء الفرقة يتجه سمير نحو الباب، يلتفت وراءه، فيشيح الجميع بأنظارهم عنه، يتردد قليلاً ثم يخرج)‏
برهان : نحن التزمنا معك أولاً، ولن نذهب إلى التلفزيون.. مارأيكم ياشباب..‏
(أصوات متفرقة تؤيد موقف برهان)‏
الأستاذ فتحي : إذن لنبدأ العمل.‏
برهان : (إلى الأستاذ فتحي) لاتغضب أستاذ، فكلنا نعرف أن سميراً تغير كثيراً في الآونة الأخيرة ولم يعد يعجبه أحد.‏
سعاد : سميرُ يعيش ظروفاً قاسية ولايجوز أن نظلمه.‏
الأستاذ فتحي : سعاد معها حق.. فسمير إنسان جيد ويجب أن نفهمه ونفهم تصرفاته.‏
هيثم : كلنا نعاني من أزمات اقتصادية ولكن هذا لايعني أن نتخلى عن المسرح بحجة أنه لايحل لنا أزماتنا الاقتصادية، سمير يبحث عن الشهرة حتى لودفع ثمن ذلك كل مالديه.. إنه يعد نفسه ممثلاً عظيماً ولابد من أن يثبت للجميع هذا الأمر، وبكل الوسائل.‏
وفاء : ولكن سمير ممثل جيد فعلاً وهو في كل الأحوال أفضل من ممثلين كثيرين يعدون أنفسهم نجوماً.‏
غسان : نعرف جميعاً أن الأعمال التلفزيونية التي تأتي إلينا، لاتتعامل معنا إلا كممثلين صغار لايكلفون شيئاً.‏
برهان : يسرقون منا أكثر مما يقدمون.. فهم يوفرون الإقامة والطعام ويعطوننا أبخس الأجور، كقطاع خاص.‏
سعاد : بالإضافة إلى المعاملة السيئة التي يعاملوننا بها..‏
هيثم : صحيح أنهم يستغلون أوضاعنا الاقتصادية البائسة، ولكن الحق علينا عندما نقبل، وهاهو سمير يعرف كل ذلك ويذهب إليه ذليلاً، يظن المسكين أنهم سيصنعون منه نجماً.‏
الأستاذ فتحي : سمير يحتاج إلى المال.. ولا أعتقد أنه يعرف مثلما تعرفون.. ولكن مايريده هو المال مهما كانت الوسيلة.‏
برهان : انتهازي..‏
الأستاذ فتحي : لا.. ولكن وضعه العائلي قاس جداً، وأعتقد أنه يعاني أكثر مما يعاني غيره.. معظمكم طلاب والمستقبل أمامكم أما هو، فإنه فشل في الدراسة ولم يعد له من أمل سوى التمثيل .. إنه على حق، وأنا لست ضده ولكن كنت احب أن ينتظر قليلاً ويفرض نفسه في أعمال مهمة، لا أن يقبل بالرخيص لأنه سيضيع ولن يحقق شيئاً.‏
وفاء : كلنا نحب أن نعمل في التلفزيون في يوم من الأيام.. ولكن هؤلاء الذين يصورون المسلسل الجديد مع شركة البواريدي.. هم من عالم تجارة التجزئة، فاللعنة عليهم وعلى الفن الذي سيقدمونه..(إلى الأستاذ فتحي) تصور أستاذ.. يسهرون يومياً حتى الصباح في الملاهي وينفقون مبالغ باهظة على سهراتهم، وعندما يوزعون دوراً في اليوم التالي، فإنهم يساومون على المبلغ وكأنهم في سوق الخضار (تقوم وفاء ويشاركها زملاؤها بتمثيل مشهد إيمائي من سهرات هؤلاء الناس، وتلعب وفاء دور المغنية الراقصة وتنهال عليها التحيات والأوراق النقدية. يستمر المشهد قليلاً مع ضحك الممثلين وهذرهم، فيوقفهم الأستاذ فتحي).‏
الأستاذ فتحي : أعرف.. كل مايفعلونه ولهذا السبب لاأحب أن تندفعوا وراء رغباتكم وتقبلوا بأي شيء وبأي ثمن.‏
سميرة : مسكين سمير..‏
الأستاذ فتحي : طيب دعونا الآن نتعرف على بطل حكايتنا لؤي.‏
إطفــــــــاء‏

CUPLIKAN: NASKAH DRAMA

حسن إبراهيم الناصر

أبو الريح
أبو الريح رجل في الخامسة والثلاثين من عمره، يعمل سائقاً في منظمة الهلال الأحمر الفلسطيني، حين يكون في مهمة نقل الجرحى، يقود سيارة الإسعاف " الشفرولية " بجنون، يطلق لزمور الخطر العنان يصفه مهدي وهو مقاتل من تونس، جاء إلى لبنان كي ينضم إلى المنظمة، مهدي يظن أنه لن يطول فيه الأمر، حتى يكون مع الزحف الكبير العائد إلى " فلسطين". لكن الزمن تركه يعيش سنوات طويلة بانتظار الحلم " أصيب مهدي بشظية شبه قاتلة في أثناء غارة ليلية على الجنوب اللبناني، قام بها الطيران " الصهيوني" كانت كاس الشاي في يده، وهو ينظر إلى الفضاء، ويصف أبو الريح، يا رجل كأن سيارة الإسعاف تحولت إلى أفعى تتلوى على طريق الجنوب باتجاه بيروت، ثم طريق الشام. تلف وتفتل بين السيارات العابرة، والسائقين ينظرون إلى أبي الريح بدهشة وإعجاب، أبو الريح رجل، لا يعرف النوم إلا في آخر الليل بعد أن يهدأ القصف، كان يردد وهو نائم هؤلاء الأوغاد لا يوفرون صغيراً أو شيخاً، أو امرأة، عيناه ضيقتان تشبهان عيون الصينيين، عندما كنت أداعبه راغباً في إخراجه من حالة الشرود الدائمة، ربما حضرتك يا " أبو الريح " من أصل صيني؟ يضحك أبو الريح قائلاً: كلنا إلى آدم، وآدم عليه السلام من تراب، حتى الزمن لم يتركه، لقد حفرت السنون منحدرات في وجهه، بدا كأنه تجاوز الخمسين من عمره حين يبتسم تلمع أسنانه البيض، وتكبر فتحتا أنفه، وتتنبه أذناه، يقسم يمينه المعهودة كلما ضاق به الحال " وروح الشهداء" يا " أبو خالد "، لا شيء في السيارة. أساساً هم لا يعطونني الشفر إلا إذا كان هناك شهيدٌ، أو جريح ٌ " مالكم يا عمي دائماً تفتشون السيارة , أنا خيا، لا أحمل معي تهريباً يلعن (أبو الفلوس)، ودم الشهداء، وحياة الغالية، يسأله محمد، ومن الغالية يا أبا الريح؟ ينظر إلى وجوهنا بتمعن قبل أن يتكلم. في تلك اللحظة تتشكل نظرات حادة في عينيه، لا مقدرة لي على تصورها أو رسمها، ولا حتى كتابتها على بياض ورقي. يتابع: إي هو في غير الغالية " فلسطين " ولك يا عمي أنا لا أحمل، إلا علبة الدخان وربطة الخبز، وها هم، شوفهن، من مخيم اليرموك، وهذه شوفها حمراء طويلة، وخبز سوري، يتابع: خيا لا تصدقوا كلام الناس، ما في أرخص من أسعار " الشام " في لبنان الأسعار نار، يضحك أبو خالد من ارتباكه، ويداعبه حذراً، ثم يأمر بفتح الحاجز كي ينطلق أبو الريح مسرعاً، أبو الريح يقول الحقيقة، يدعس بقدمه المتسخة فوق دعسة البنزين، يسمعُ ضجيج محرك الشفرولية، وهي تنطلق مسرعة باتجاه دمشق، وعندما يعود آخر الليل ينادي على يا سين أبي وسيم، ما في حواليك كاسة شاي، فيأتيه الجواب: تفضل الشاي جاهز على المدفأة، يترك السيارة ويترجل على عجل، (ها تلك كم شفه كرمال النبي)، يشير بيده إلى عنقه " جوزة " حلقي يبست من الصباح دخان، وبلا أكل‏
ولا شرب.‏
قال محمد: ألا تتعب يا أبو الريح؟‏
أبو الريح: آه.. أتعب، أنا أتعب إن وجد جريح، ولم أستطع إنقاذه، دمي يغلي ويصير مثل النار، التفت إلى محمد، شوف عمي هؤلاء الشهداء، شباب بعمر الورد، يقدمون دمهم فداءنا، وفداء الغالية، على القليلة نحن نقدم لهم المساعدة الممكنة.‏
محمد يهز برأسه، معك حق.. معك حق. الواحد منا يجد نفسه صغيراً أمام تضحياتهم الكبيرة.‏
يشرب أبو الريح الشاي، ويركب " الشفر " منطلقاً باتجاه الجنوب.‏
في يوم شديد البرودة امتزج فيه المطر بالثلج، والريح تصفر خارج البراكية التي نجلس فيها، وبعض الغيوم البيض راحت تتشكل فوق بعضها تهيئاً للهطل، الحدود معرضة لهطول الثلج في كل يوم.‏
قال أبو خالد: أغلقوا النوافذ، والباب جيداً فهذا الصقيع لا يرحم، وأنت يا غسان زدْ كمية المازوت، لا أعتقد أن أحداً يأتي من لبنان، أو من سوريا في هذا الجو العاصف، الطرقات كلها بعد قليل ستنقطع، وخاصة في ضهر البيدر، ووادي القرن. تابع كلامه، وهو يستلقي على السرير "غير المجنون ما يخاطر بهذه العاصفة " بعد برهة سمعنا ضجيج محرك سيارة، وصوت زمور الخطر، نهض أبو خالد من السرير مستغرباً، ألم أقل لكم " غير المجنون " وقبل أن يكمل كلماته، دفع الباب بقوة ودخل أبو الريح مقطب الجبين، وقد تاهت ملامحه السمراء في حزنه، عيناه كجمرتين تلمعان، ويداه ترتجفان، حافي القدمين وثيابه ملطخة بالدم.‏
قال أبو خالد: الله يعطينا خيرك، شو أبو الريح كنت تتصارع مع الوحوش؟ لم يستطع أن يقول شيئاً، دمعت عيناه، حدق إلى وجوهنا وقال: كل حياتي، وأنا أنقل الشهداء والجرحى، وأنا مرفوع الرأس لا يهمني الموت، ولا طيران العدو أثناء القصف، لكن اليوم الحالة مختلفة، فتح أبو خالد باب السيارة، يا إلهي ما هذا يا أبو الريح، لمن هذه الجثث المكومة فوق بعضها؟ لم نسمع أن غارة هاجمت الجنوب، ولا أي مكان في المواقع. كان دمعه ساخناً وسخياً، أشعل لفافة تبغ سحب نفساً عميقاً ثم أطلقه في الهواء، وبصوت مخنوق قال: هذه المرة أهلي يقتلون بعضهم يا أبا خالد. أهل الغالية الذين تتناقلهم السفن، والموانئ، وتلونوا بألوان جوازات السفر الممنوحة لهم الذين عايشوا البندقية حتى صارت جزءاً منهم، من حياتهم، وحاوروا المدافع، والريح، والثلج، واعتادوا أن يقهروا الجبال، والصخر، والغابات، ويتسللون عبر الممرات الضيقة والمخيفة في الليالي الحالكة السواد، ويجتازون الأسلاك المكهربة، ويعبرون إلى " الغالية "، ليقوموا بعملية تهز كيان العدو وترعب الوافدين إليها من " أنحاء العالم " ليغتصبوا حقاً ليس لهم، وتجعلهم يفكرون ألف مرة قبل أن يأتوا للإقامة في أرضنا فيفكرون جدياً بالرحيل عنها، أو التعايش مع قرارات " الأمم المتحدة ". هم اليوم يذبحون بأيديهم الألفة، والمحبة، والأخوة، ورابطة الدم والتاريخ، يقدمون الشباب ضحية على مذبح الكراسي الملعونة، والبهرجة الكاذبة، كأن النار لا تحرق إلا الناس الغلابة! أبو خالد، ماذا تقول يا أبا الريح؟ شو حضرتك تركت سيارة الإسعاف، وصرت تدرس الفلسفة؟ الحقيقة كنا جميعاً مبهورين بما يقوله، ومن الرواية التي قصها علينا، لم نكن نتوقع رجلاً مثل أبي الريح يحمل شهادة جامعية، هذا آخر ما كنا نتوقعه، تابع أبو الريح نحن نتقاتل فوق أرض ليست أرض المعركة، تفتر شفتاه عن ابتسامة صفراء، ودمعه يجري على سواد خديه، والخيبة تسكن داخله التعب.‏
قال: كما سمعت اختلفوا الشباب في التنظيم، وتحول الخلاف إلى مشادة تابع بتهكم: وأنت تعرف أن وراء الإحداث من يختلق الأسباب، والمشادة احتكمت إلى السلاح، ولعت النار يا خيا، وما بتعرف مين بدك تنقل في السيارة، شيء يجعل الإنسان يفقد عقله، تصور بعض الشباب من عائله واحدة، وفي تنظيمات مختلفة، كل واحد حمل السلاح على أخيه، معركة الكل فيها خاسر، كما قلت لك شيء يحط العقل بالكف " جنون " يا رجل ما في عاقل يوقف الناس، والسلاح لا يرحم، نحن نحمله لنقاتل به عدونا، لكن يا للأسف الإخوان في هذا اليوم جربوه بحالهم المهم الله يستر، ويسامحنا جميعاً فتح كفيه، وقرأ الفاتحة للجميع، وأغلق باب السيارة.‏
قال محمد: شوف حالتك يا أبو الريح حافي القدمين، وثيابك كلها دم، وأنت لا تدري بذلك.‏
أبو الريح: حفيان، عريان، أرجو أن تسرعوا بالموافقة على الدخول، قبل أن تطلع عليكم رائحة الجثث. فعلاً قام أبو خالد بالإجراءات القانونية، وانطلق أبو الريح، وصوت زمور الخطر يخترق الفضاء، والمطر، والأسئلة الحائرة على الشفاه.‏
حين عاد أبو الريح قبيل الفجر، كان منهكاً، وقد هده التعب. جلس على حافة السرير صامتاً. قال أبو خالد: هات حدثنا عن الأهالي في المخيم، كيف استقبلوا الأخبار، وكيف تلقوا الخبر؟ لم يستطع أن يتحمل، بكى بألم، لم أشاهد رجلاً من قبل يبكي بهذا الحزن والألم، وبكاء الرجال قاسٍ، خليها على الله يا أبو خالد " ودم الشهداء، وتراب الغالية، تمنيت الموت، ولا أشوف هذا اليوم، مظاهر حزن باردة، كل يفقد غالياً، ولا أحد يعرف من يشتم، أو مع من يقف، وتحرقه الأسئلة إن وقف على الحياد. النساء هجمن على بعضهن كل واحدة تتهم زوج الأخرى، وتعتبره المسبب، قل يا رب، الدم واحد، والمصيبة مشتركة، والقاتل واحد، ولا تستطيع أن تقول ما بداخلك " نار تكويني يا أبو خالد نار ". لم يشرب الشاي كعادته عندما يعود من المخيم، ركب السيارة، وانطلق بهدوء كأنه لا يريد أن يتركنا، أو لا يريد أن يصل إلى مركز الإسعاف في بيروت.‏
في الصباح هدأت العاصفة، وتوقف المطر، والشمس أخذت تظهر من خلف الغيوم خجلة بأشعتها الذهبية الدافئة,‏
قال محمد: الوقت ظهراً نريد أن نذهب إلى بيوتنا، همهم أبو خالد معك حق، هيا يا شباب عندما يصل البديل جهزوا أنفسكم، كنا نستعد إلى الذهاب، شاهدنا سيارة أبي الريح قادمة بهدوء، وبلا زمور الخطر، وخلفها سيارة لا ندروفر لونها زيتي، تلفتنا مستغربين، معقول أبو الريح يقود سيارة الشفر على مهل، وينتظر خلفه سيارة جيب ترافقه مستحيل، هذا شيء لا يصدق، أخيراً وصلت الشفرولية إلى الحاجز، ترجل السائق، لم يكن أبا الريح، كان شاباً في مقتبل العمر، شعره طويل وقامته كرمح، يرتدي بدلته الخاكي المموهة.‏
قال أبو خالد: يمكن أبو الريح تعب، لهذا أرسلوا سائقاً غيره، ألقى السائق السلام، وقدم الأوراق إلى أبي خالد، قرأ الأوراق، لا حظنا تغير ملامحه، جلس على الكرسي، ودفع الأوراق إلينا، إلى الإخوة في الحاجز السوري. تكرموا بالسماح لجثمان الشهيد أبي الريح مع سائق الإسعاف جيفارا بالمرور إلى المخيم، كي يدفن في مقبرة الشهداء، بناءً على وصية إخوتكم في المنظمة، شاكرين تعاونكم.‏
قلنا جميعاً: لا حول ولا قوة إلا بالله.. إنا لله وإنا إليه راجعون " أبو الريح في الشفر ولا يقودها! وهي تمشي ببطء كأنها لا تريد الوصول إلى تربة الشهداء، كأن الدنيا صمتت ولفتنا أنغام جنائزية، دمعت عيوننا، لم يكن أحد يدري، هل مات أبو الريح قهراً؟ أو مات برصاصة طائشة في المخيم سارت الجنازة عبر الشارع المؤدي إلى مقبرة الشهداء، كانت امرأة حافية القدمين تضم إلى صدرها طفلا رضيعاً، تبكي قهراً، وهي تسير خلف نعش أبي الريح، تغني بحرقة مواويل تخرج من فمها كأنها لهيب نار حارقة، " مع السلامة، يا ولف درب الجابك يوديك " تقف عن الغناء وتشد الرضيع إلى صدرها، وعيناها تراقبان الأكف التي تتناقل النعش الملفوف بعلم " الغالية " ثم تتابع: من حد باب البيت وصيت الله فيك.. وصيت الله فيك ".‏
إنه زمن الدم المستباح يا أبو الريح.‏
دمشق: 1985‏


أحلام بائسة
يترجل " غازي المقص " من سيارته السوداء، مرتدياً بدلته الكحلية، وربطة عنق خمرية عريضة. قامته تغوص في أطرافه السفلية. كرشه يندلق أمامه. يحمل حقيبة دبلوماسية بنية اللون، قاصداً المحكمة العامة، يتراكض إليه العديد من الموظفين، والمراجعين، والباحثين عن حلول لقضاياهم المعقدة.. يستقبلهم بابتسامة صفراء على شفتيه.. يخترق بجسده الضخم ازدحام الناس، يلتف من حوله حملة الطوابع والأوراق، وبعض العاملين في أروقة المحكمة الشرعية. جميع من فيها يحفظ شعاره " على المحامي الناجح أن يملك شبكة من العلاقات العامة، مع الجهات العليا. لتمنحه مكانة مميزة عن زملائه. القضايا الصعبة التي يفشل الكثيرون في معالجتها، الأستاذ غازي المقص.. بكل بساطة يجد لها حلولاً لم تخطر على بال أحد قبله. لتأخذ القضية طريقها أمام القاضي على المنصة، يفتش في خبايا المحاكم والقوانين عن ثغرات ينفذ منها وما أكثرها، دائماً لديه الصيغة المناسبة للرد على خصومه، أو توجيه التهم الجاهزة لأي زميل ينازله في الحلبة. كان دائماً يسمي قاعة المحكمة بحلبة المصارعة، إما أن تفوز، أو تخسر بالضربة القاضية يبتسم حين ينتصر " هناك دائماً ما يمكن القيام به، قبل أن يستسلم للخسارة، يتسم بالجرأة لما تتسع لـه مفكرته من أسماء ممن لهم الباع الطويل في تحويل القرارات لصالح موكليه.‏
يمثلون للمقص " مفتاح القضايا " عندك السيد‏
أبو النجود، ما إن يرن هاتفه في قاعات المحاكم، حتى يرتجف الجميع خوفاً مطيعين وراغبين في تنفيذ المطلوب.. حفاظاً على المكتسبات. بينما " المقص " يبتسم بخبث متجاهلاً مصدر الهاتف وسببه. وعندك يا سيدي، الست رهام ذات الحسن والجمال، ما إن تظهر في قاعة المحكمة، حتى تملأ القاعة بضحكتها أنغام موسيقية ناعمة، و هي تشير بأصابعها باتجاه من تريد مساندته، ليتخذ القرار المناسب، باسم القانون، وحين تضيق الأحوال بالمقص، يسعى إليها محملاً بالهدايا وقوارير العطور المستوردة تضحك، ضحكتها المشهورة أهلاً بالمقص أفندي، يجاريها بالضحك، حتى أنت يا ست الحسن، والجمال، لكن ولا يهمك طالعة من ثغرك مثل العسل. تتمايل السيدة رهام بغنج وهي تتقبل الهدايا، لا تهتم لأحد، قل ما هو المطلوب. يُخرج من جيبه " مظروف المعلوم "، يشرح الموضوع القادم من أجله بتأن حتى تعرف الست رهام كيف تتصرف، أو مع من تتصل ما إن ينتهي، حتى ترفع السماعة تضرب الرقم المقصود، ألو تحياتي سيدنا.. وحياتك كانت سهرة الأسبوع الماضي رائعة بوجودك، نحن دائماً تحت أمرك متى تطلب مساء الاثنين.. ليكن ستكون الأمور جاهزة عند حضورك. تعلو ضحكتها حيناً. وترتسم الدهشة على ملامحها أحياناً " كلامك سيدنا يقطر عسل " تسرب من خلال دلعها على الهاتف طلبات المقص، تهدأ قليلاً، سيكون شكرك مضاعفاً هذه المرة يا سيدنا، تضع السماعة، تنظر إلى المقص. كن مطمئناً القضية صارت بحكم المنتهية لصالح موكلك، يهرع إلى مكتبه ليستعد للإجراءات المقبلة. الأستاذ غازي المقص قبل أن يكون محامياً كبيراً كان موظفاً في أرشيف المحاكم، تعب على نفسه.. وسهر الليالي، إلى أن تخرج، وأصبح محامياً " لن ينسى ذلك أبداً " بعد أن تدرب في مكتب محامٍ كبير. لمع اسمه في قاعات المحاكم، وأصبح ذلك الأستاذ واجهة للمكتب معتمداً على غازي المقص كي ينجز لـه قضاياه الكبيرة، كان صاحب المكتب يفتخر أمام زواره وزملائه، بأنه يملك مفتاحاً سحرياً لكسب قضاياه، لقد حاول الكثيرون معرفة ذلك المفتاح الخفي ولكن دون فائدة. والمقص، هذا لقب يطلقه عليه الجميع، كونه لا شيء يقف بطريقه تعلم كيف ينشر الدعاية لصالحه، أو ينشرها بوجه خصومه، شهوده حاضرون أمام الدوائر القضائية، أو في مكتبه المزدحم حيث لن تجد مكاناً تجلس فيه. عليك الانتظار حتى يطلبك / الأستاذ / يحيط به مجموعة من الرجال الأشداء ينتظرون منه إشارة كي يتخلص من أحد ما، أو يحضرون لـه أحداً ما بلا تردد. في صباح يوم ماطر والريح تعصف بشوارع المدينة، خرجت امرأة لم تتجاوز الثلاثين من عمرها، ترتدي جلباباً رمادياً وتضع فوق رأسها غطاء أسود، عيناها واسعتان، تميل بشرتها إلى اللون الأسمر، نهداها يكادان ينفران من تحت الجلباب، تجر خطواتها الثقيلة، كما تجر خيبتها، حمدت الله في سرها أن صاحبة البيت أم صبري التي وافقت على أن تأويها مع ولدها، في محنتها لتبقى مجهولة العنوان، أم صبري، عرفتها على أبي فهد وبعد أن كشف أبو فهد على مفاتنها ليتأكد من صلاحية البضاعة التي يتعامل معها، نالت إعجابه بجدارة. هي امرأة تدربت على يدي صباح، قبل أن تلتقي خالد وتمنحه حياتها " لكن سوء حظها كسر فرحتها.. لتواجه هذا المصير أبو فهد، بسهرة ليلية شرب آخر رشفة في قعر الكأس. يهمس لقد كلمت لك محامياً لا أحد يقف بوجهه في المحكمة. ناولها بطاقة باسمه وأرقام هواتفه، كان يرتدي ثيابه، وهو يحدثها عن الأستاذ غازي المقص، فقط أنت أعطيه البطاقة وهو يفهم الباقي.. بلهجة جادة قال لها أبو فهد نسيت أن أقول لك، لا تخفي عنه شيئاً، مهما كان صغيراً، أو كبيراً، احكي لـه قصتك كاملة بصدق، وهو يعرف كيف يخرجك منها. في المكتب كانت وردة، كأنها تجلس على جمر، بعد انتظار دام بضع ساعات جاء دورها.‏
ابتسمت لها السكرتيرة قائلة تفضلي الأستاذ بانتظارك، شكرتها وتقدمت بخطوات مرتبكة، تفلت دموعها فوق خديها رغماً عنها، كان قد انتهى من مكالمة هاتفية. يميل المقص نحوَ صدرها الفاتن.. أنت يا مدام بشارة خير للمكتب، لقد زف لي مستشار القضاء فوز موكلي " جديع الماجد " بقضية كانت مستعصية الحل، ابتسم لها من جديد تفضلي بالجلوس، مسحت دموعها. قالت: الحقيقة أستاذ لقد أرسلني إلى جنابك موظف البوفيه في المحكمة " أبو فهد " وناولته البطاقة، آه عرفته بماذا تأمرين، أبو فهد طلباته علينا أوامر يا مدام، وأشار لها أن تجلس على الكرسي المريح، وراحت تقص عليه حكايتها منذ كانت تعمل في مؤسسة اجتماعية، في مدينة بعيدة عن العاصمة، كانت وردة زهرة متفتحة تنتظر من يقطف وريقاتها أو يشم رائحتها، تفور أنوثة، كانت الأحلام تراودها في اليقظة وأثناء النوم، تريد أن تخرج للدنيا، تخلع عنها ثوب الفقر والوصايا والممنوعات، منذ طفولتها، كانت تعشق الحياة، مبتعدة عن الفتيات اللواتي هن بعمرها، نضجت أنوثة وردة مبكراً، وكان الخوف من الوصايا لها بالمرصاد، أرادت أن تنسى بيئتها الفقيرة، بعد أن التحقت بمدرسة المدينة، كانت تحلم أن تكون بمستوى زميلاتها، ثم كبرت وردة وكبر الحلم معها. في الوظيفة تعرفت إلى صباح، التي تتزين بالحلي، وترتدي أفخر الملابس، وكل يوم تأتي إلى العمل بسيارة مختلفة، تسبقها ضحكاتها المرحة، تجعل كل من حولها يهتم بها، أو يتمنى أن يقيم معها علاقة. كانت صباح ذات حسٍ عال، من خلال نظراتها إلى عيون وردة، كشفت ما بداخلها، أخذت تغدق عليها الهدايا وتتكلم معها عن السهر والفرح " يلعن أبو الفقر يا وردة، هم ونكد على الفاضي.. وفي النهاية بيت وزوج ومسؤولية " علينا أن نواجه الدنيا لنعيش الحياة مثل الآخرين، استطاعت صباح أن تجرها إلى ما تقوم به، حيث السهر حتى مطلع الفجر في الشقق المفروشة، أفهمتها في البداية أنها مجرد سهرات كيف ومرح، نريد أن نقبر الفقر يا وردة، وهنا في المدينة ما حدا شايف حدا" المهم أن تملكي الجرأة والباقي سهل، استسلمت وردة للواقع بعد أن أخرجت نفسها من حريق الأسئلة، حين ينام الآخرون، تلجأ وردة، إلى نفسها، تطفئ أنوار الغرفة، تشعل شمعة وتعد القهوة تدخن بشراهة، وقفت يوماً أمام المرآة، مررت أصابعها فوق خديها، على عنقها، صارت أكثر نضجاً وجمالاً.. فجأةًً خرج صوت من داخلها، من الوصايا... يؤنبها لقد خسرت كل شيء.. خسرت كل شيء يا وردة؟ توالت الأيام والسهرات ورفيقات الليل.. ثم راح الصوت المؤنب بداخلها يلملم وصاياه يوماً، بعد يوم.. حتى نسيت وردة، من هي، ومن أين أتت؟ ونسيت أحلامها. في أحد الأيام طلبت منها صديقتها وعد أن ترافقها لزيارة شقيقها المريض في المشفى، أول ما تلاقت عيناها بعيني خالد، شعرت أنها مشدودة إليه، أخذت تهتم بحالته، وأبدى خالد اهتماماً ملحوظاً بوردة، حتى صارت تقوم بزيارته دون علم صديقتها وعد، بعد أن تماثل خالد للشفاء، تواعدا على اللقاءات، هناك شيء خفي بهذا الرجل جعلها تفك ارتباطها بصباح ولياليها الساهرة! حين تكون معه تنسى الدنيا بما فيها، لم تستطع أن تخفي وردة قصتها عن خالد، في يوم صيفي التقيا في المقهى على ضفاف العاصي، كان وجهها حزيناً، وملامحها تنم عن قلق.‏
همس لها خالد: وردة كأنك لم تنامي بالأمس؟ حدقت إلى عينيه طويلاً قبل أن تقول شيئاً.‏
خالد: إذا كان هناك ما يضايقك تكلمي.. أنا أسمع.‏
افهمني يا خالد.. بهدوء قالت وردة: وبلعت ريقها بصعوبة أنا لم أحب رجلاً في حياتي " كل الذين عرفتهم، كانوا مجرد وهم أركض خلفه، ولم أحصد إلا التوهان " أمعنت النّظر إلى وجهه، أنت دخلت إلى قلبي بلا إذن، ها أنا أفرش بين يديك قصتي، وأنت تحكم، في البداية تغيرت ملامح وجه خالد، بعد صمت دام بنظر وردة دهراً.‏
خالد بهدوء: بكل قسوة الماضي، يا وردة أجد نفسي مشدوداً إليك أشعر أن حباً حقيقياً نبت بداخلي.. لا أستطيع مخالفته، كادت تزغرد وردة من الفرح.. بل ربما شعرت أن لها جناحين، يمكنها أن تحلق في الفضاءات المطلقة، أخيراً وجدت من يتفهم حالتها بعد أن هدأت، طلب منها خالد، ويداه تمسكان بيديها أن تعاهده على الوفاء، وأن تكون لـه وحده , وتنسى ماضيها" احذفيه من حياتك ولا تعودي إليه حتى في الحديث العادي " وافقت وردة بلا تردد، صارت الدنيا بعينيها أجمل، وبدت لصديقاتها أكثر جمالاً، تهتم بزينتها وترتيب شعرها، ورفضت الخروج مع صباح ولم تعد تسهر إلا بوجود خالد!! اتفقت وردة مع خالد على أن يقوم بزيارة أهلها في القرية ليطلبها رسمياً للزواج، كان استقبال أهلها لخالد متحفظاً، لم يرتاحوا للزّائر كان اختلاف " المذهب والعادات والتقاليد " سداً منيعاً وقاتلاً بين وردة وسعادتها المحتملة، أمام أهلها، لم تجد ما تقوله، قررت أن تذهب معه، بلا موافقة أهلها، لكن خالد رفض ذلك بحجة أنه يكفي قبوله حالتها من غير أن يعلم أهلها، عاد خالد مع شقيقته وعد، وعادت وردة تجر خيبتها معها، أرادت أن تقول لأهلها كل شيء لكن خوفها من / سكين العار" الذي دائماً بيد الرجل " منعها / رحل خالد ورحلت معه أحلامها.. لم يبق لها إلا المرارة والخيبة، في تلك الفترة تعرفت إلى شاب أصغر منها، كان جميلاً عيناه تشتعلان رجولة. كانت وردة تتكلم.. والأستاذ مشغول تارة بالهاتف، وتارةً يشعل سيجاره الفاخر، تابعت وردة وحين شعرت أن شيئاً يتحرك في أحشائها طالبته بالزواج، توقف سامي عن العبث بصدرها ثم قال بلا تردد: لو كنت الرجل الوحيد في حياتك لما تأخرت يا وردة، شهقت بالبكاء وتابعت كلامها إلى المحامي المشغول بهواتفه الكثيرة، أنها أجرت عملية الولادة في مشفى خاص، وحين عرف أهلها طارت عقولهم ولمعت أنصال السكاكين " هربت هي وابنها إلى مدينة بعيدة لتختفي عن أعين أقاربها الذين تدافعوا لغسل العار. هم الذين رفضوا الرجل الذي كان حلم حياتها " هزت رأسها يا لـه من حلم تحطم سريعاً " كان الأستاذ مشغولاً لا يرد عليها، همس لها وهو يمسك الهاتف: اختصري أرجوك مدام، كما ترين أنا لدي عمل كثير، المهم ما هي العملية، عفوا أية عملية أستاذ: آه، أقصد، القضية، قالت: أريد أن أسجل الولد حتى أدخله المدرسة، أيقنت وردة أنها نجحت في كسب عطف الأستاذ، وبصراحة أقول لك، لأن أبا فهد قال، لا تخفي على الأستاذ شيئاً، لقد اخترت رجلاً كانت لـه علاقة قديمة بي، وحده يستطيع حماية الولد وتحمل تبعات مصروفه، وهذه صورة هويته، تناول صورة الهوية وبعض الأوراق التي تستلزم القضية.‏
همهم المقص ساخراً: هذه عملية سهلة، حدقت إلى وجهه، آه أقصد قضية سهلة مدام، رنّ جرس السكرتيرة، التي أسرعت إليه، أمر أستاذ، أحضري لي شاهدين آنسة ميمي، دخل شابان، كانا مستعدين، ابتسم لهما، المدام بحاجة لمن يساعدها عملية بسيطة، نبهته عفواً أستاذ قضية وليست عملية، قاطعها بحدة، قضية ولا عملية كلها بتمشي " أخذت تملي الاستمارة اسمها واسم عائلتها، واسم الولد ونسب الرجل، وقع الشاهدان على الأوراق، إنهما شهدا زواجاً خارج المحكمة في مكتب المحامي، وبحضور الزوج عبد الباسط درويش، تناول الأستاذ الأوراق ووضعها في الحقيبة، نظراً لانشغاله بأمور مهمة، هناك رجل من الخليج يوكله بقضية مشابهة لقضية "وردة" وهو زائر في فترة الصيف من خلال وسيط الشقة التي يستأجرها، تعرف على أهل خلود، فتاة صغيرة وجميلة استطاع بماله أن "يشتريها" عفواً أن يتزوجها، كانت الفتاة بحاجة إلى أن تخرج من سجنها بين أربعة جدران" بعد أن منعها والدها من الذهاب إلى المدرسة "بحجة سرعة نضجها وخوفه عليها، خلود، لا تعرف عن الدنيا شيئاً إلا من خلال شاشة التلفاز المهم أنه رجل، يحميها ويلبي نضوج أنوثتها، وكان العريس قد تجاوز السبعين من عمره، يسهر طوال الليل ثم يعريها من ملابسها، ويطلب منها أن ترقص، بعد أن يدير آلة التسجيل وتنساب أنغام الموجي ويصدح صوت " الست " يعمر نفس النارجيلة وعندما ينتشي ولا يعود يعرف حتى اسمه يدخل عالمها المراهق، مضى شهر على هذه الحالة وهو يغدق عليها وعلى أهلها الهدايا، إلا أن الفتاة قرفت منه، ومن هداياه، كان بعد أن ينتهي من النارجيلة وتلك البودرة اللعينة التي يحشوها في المعسل، يخلع ملابسه ويبدأ يمرغ شيخوخته فوق نضارة جسدها الشهي، وهي تبكي بصمت أنوثتها المجروحة.. تبلع ملوحة دمعها بينما يلملم خيبة رجولته من فوق شهوتها القتيلة! كانت خلود، تخطط كيف تتخلص منه يمر بخيالها شريط للوجوه التي عرفتها، ثم تفكر بحالة أبيها وإخوتها. ماذا سيحل بهم إذا تركته هي. عليها أن تجبره هو على القيام بطلب الطلاق، كما أراد هو أن يتخلص من زواجها من غير أن يخسر ما دفعه لأبيها "المهر الكبير" عليه أن يعود إلى بلده " مرفوع الرأس " صاحب مكتب العقارات عرفه على الأستاذ " المقص " في المحكمة كانت الأوراق المطلوبة بين يدي القاضي، متهماً أهلها بأنهم استغلوا الرجل وزوجوه ابنتهم، وهي لم تكن تتمتع بصفات البنات العذارى " كان شهود " غازي المقص " جاهزين.‏
الدليل الأول قال: إنه عرفها قبل زواجها بشهور، وراح يصف للقاضي بعض العلامات المميزة بجسدها، والتي عرفها من خلال قصتها مع زوجها، انهارت الفتاة أمام المحكمة، وأصيب والدها بذبحة صدرية، سحب الأهل الدّعوى من أمام القاضي، بحجة المصالحة مع الزوج، تنازلت الفتاة عن حقوقها، قالت خلود إلى أمها، بعينين تشتعلان، كانت صفقة وكنت الخاسرة الوحيدة بينكم يا أمي، اعتذر الأستاذ لوردة، وقدمت لها " ميمي " بطاقة المكتب والعنوان وأرقام الهواتف، قالت السكرتيرة: عليك إحضار المبلغ خلال أسبوع مدام، وألا نعتبرك تنازلت عن الدّعوى، أشار الأستاذ، إلى زياد، رافق المدام، فرحت وردة بعد اطمئنانها على قضيتها، لم يدم الوقت طويلاً، حتى وصل إنذار إلى قرية، عبد الباسط بوجوب حضوره جلسة المحكمة، كان هناك من يستلم أوراق التبليغ دون معرفته بها، إلى أن استطاع الأستاذ أن يأخذ لها الحكم بالنفقة واستخراج بطاقة تسجيل الولد، وعلى المدعو عبد الباسط أن يحضر إلى المحكمة بواسطة الشرطة، جن جنون الرجل هو المعروف من قبل أهل القرية، بل هو وجه من وجوه القرية، متزوج من امرأة يحبها، ورزقه الله منها أولاداً، في البداية نفر بعض الناس منه، لكن عاد الجميع ليقفوا معه. الرجل متزن وعلاقته وسمعته لا غبار عليهما، قصد المدينة لقد تعرف إلى محام كبير لـه سمعة حسنة، عن طريق أحد أقاربه المقيمين في المدينة ، بعد مطالعة الأوراق من قبل الأستاذ عبد الله وسماعه قصة عبد الباسط، عرف الأستاذ عبدالله بخبرته الطويلة كيف استطاع الأستاذ غازي المقص، خداع المحكمة تحت شعار العمل الإنساني.. وضرورة الوقوف إلى جانب الضلع القاصر، هكذا مرر الأمر على القاضي بوجود الشهود، وفعلاً تم توكيل الأستاذ عبد الله، كي يتمكن من متابعة الدّعوى، تعب كثيراً حتى حصل على عناوين الشاهدين اللذين لم يحسبا أنه في يوم من الأيام سيواجهان القضاء، لشهادتهما الزور، ولم يهتما حينها لذلك الأمر.‏
الشاهد الأول، عادل: يعمل كاتباً أمام دائرة العقارات، قامت دورية الشرطة بسوقه إلى المحكمة، وبحضور رئيس المخفر وقاضي التحقيق، أنكر في البداية عادل، تهمة شهادة الزور، أدخله رئيس المخفر إلى غرفة كبيرة فيها مجموعة من الرجال قائلاً: هيا يا عادل من منهم المدعو عبد الباسط؟ لم يعرفه عادل رغم وجوده بينهم بل أشار أن ملامح أحد أفراد الشرطة تشبه عبد الباسط، قال: كنت حينها في الخدمة العسكرية، لقد نسيت ملامح الرّجل، يا سيدي. رئيس المخفر: هل تعرف هذا الرجل، عادل: لم أره في حياتي، أعاد رئيس المخفر السؤال عليه، هذا الرجل ألا تعرفه من قبل، هز عادل برأسه، لا يا سيدي لم ألتق به أبداً من قبل، وعندما واجهه رئيس المخفر بالحقيقة أن هذا الرجل هو " الزوج " المقصود، انهار عادل أمام رئيس المخفر معترفاً أنه غرّر به " بحجة موقف إنساني" من قِبل المحامي الأستاذ غازي، وكذلك أقر الشاهد الثاني / زياد / والذي كان يقيم في قرية من الشمال بعد أن أنهى خدمة العلم، ترك المدينة ليعود إلى قريته ولم يحسب أن أحداً سيلاحقه بتهمة شهادة الزور أمام المحكمة في المدينة أقر زياد بأن " المقص " طلب منه أن يكون شاهداً على زواج وردة من عبد الباسط، خدمة للمرأة المسكينة كي تحمي ولدها من الضياع لكن المقص كان مدركاً سلفاً ما يمكن أن تؤول إليه الأمور في مثل هذه الحالات " والتي تعرض لها كثيراً من خلال تخصصه في القضايا المعقدة " في " الاستئناف " وبعد انتظار سنوات، وقد أصبحت الدّعوى في مصنفات عديدة , لم يستطع المحامي " عبد الله " إبطال الدعوى بحق موكله لأنها حركت المشاعر الإنسانية عند القاضي، لهذا اعتبرها أيضاً حالة إنسانية يمكن أن تبطل " نسب الولد، فيضيع الولد " سحب الشرطي عبد الباسط من قاعة المحكمة إلى السجن، وخرجت وردة فرحة برفقة " المقص " وقد نالت ما لم تكن تحلم به، كانت وردة تقف أمام القاضي ودموعها تجري على خديها كنهر، وقد رسمت على وجهها ملامح الكآبة والبؤس، بكى المقص وهو يدافع عن الإنسانية ويناشد الضمير الإنساني، وجه سؤالاً مباشراً إلى القاضي، بعد أن قرأ في وجهه ما يطمئنه، سيدي القاضي: هذا الطفل البريء والذي لا يعرف عن الدنيا شيئاً، أي ذنب ارتكب حتى يبقى بلا هوية، ولا مدرسة ولا أب يرعاه " دار بنظراته على الوجوه في القاعة، وتوقف حيث كانت تجلس الست رهام تلف ساقاً على ساق أومأت لـه برأسها معجبة " تابع " مسرحيته " طالباً الرحمة لوردة وابنها " لم يكن أمام القاضي، وحتى الحاضرين إلا أن يمسحوا دموعهم الساخنة وهم يسمعون هذه المأساة قال القاضي: " المهم هو الطفل " دفع المقص وردة لأن تستغل الظرف المناسب وتطلب من عبد الباسط أن يعترف بالطفل ثم لا مانع لديها بعد ذلك أن يطلقها، وافق عبد الباسط على مضض، لم يكن أمامه حل غير هذا الحل، بعد أن دفع كل مستحقات الطفل والزوجة المدعية " كي تسقط حقها " ليخرج هو من السجن حاملاً خيبته وورقة الطلاق.. مقسماً أنه لن يغادر بعد اليوم حدود قريته " مهما كانت الظروف "؟!‏

مدينة بلا سور
نيسان أقفل نوافذه الربيعية موشحاً بالليل، وحده أبو نواس ظلّ ساهراً يردد قوافي الشعر على مدرج من أنين، لم تزل بحة صوته ووقع نغماتِ حروفه تشكل سحابة من دمع يبلل صباح المدينة، يساهر قمرها، يدق على نوافذها المغلقة، تهدل نغماته كرف حمام. وحيداً يتجول أبو نواس في الشوارع والحارات الضيقة، تلاحقه عيون العسس ونباح الكلاب الضالة، يرنم قصائده على ضفاف نهر أوجعه عبوره إلى الساحات العامة في مدينة تنغلق عليها بوابات الوجع، أذهله كل ما يعدُ لها من أصناف الحقن المهدأة كي تنام باكراً، بعد أن خرجت المدينة من غرفة العمليات المبرمجة وفق أحدث مبتكرات العولمة الطارئة للولادات الحديثة، لولادات أطفال الأنابيب، وقفت على أبواب غرفة النوم السرية تخلع عنها أثواب الزينة البدوية وغبار الفيافي ولغة الشعر الجاهلي، لم تعد الخيمة مناسبة، كان عليها أن تخرج ذاكرتها.. من دواوين المتنبي والنواب والجواهري وحكايات الرواة. تمشي باستحياء إلى مخدعها الليلي، تشعل الأضواء الحمراء الخافتة كأنها امرأة تخرج من سواد تاريخها، تنحني للريح العاصفة، تحني رأسها أمام سرير سيدها، تدور الدورات السبع حول السرير، تنفتح في وجهها أبوابٌ وغابات من الأسرة، وبصوت غنوج تهمس: عبدتك بين يديك، للطاعة وتنفيذ الأمر. يلتفت الرجل حول نفسه مندهشاً، يفتل شاربيه الأسودين، يدور حول نفسه دورات سبعاً، لا يصدق ما يراه ويسمعه، راح صوته يعلو شيئاً... فشيئاَ كأنه يهذي. يا إلهي في النهار كانت هذه المرأة تستخدم قوتها لتصفع رجولته تستعبد ذكورته. كانت تعرف تفاصيل حياته " هيكلاً منفوخاً كطبل فارغ ". تلهو به، تدحرج سني عمره بقدميها فوق صقيع سريرها، تدعكه فيتصبب من جسده عرق لـه رائحة نتنة، وهو يحاول أن يثبت فحولته كما يفعل باقي رجال القبيلة مع النساء الحرائر.‏
قال لنفسه: أي فحولة أمام امرأة تركت بين ذراعيه كل جمالها دفعة واحدة. كان يلهث تعباً، من ثقل جسده المحشو بأصناف الطعام، أمسكت المرأة برأسه الضخم الذي لا يحوي إلا الصراخ والأوامر. جرته إلى صدرها الناهد، لكنه لم ييأس، فتَّل شاربيه ثم أغمض عينيه، وأشار إليها كالأبله، أنت سيدتي تقصدين بكل هذه الأناقة وهذا العطر رجلاً مثلي!‏
خلعت آخر ما يستر بياض جسدها الفاتن، مدت يدها الناعمة وبكل دلال أطفأت أنوار المدينة " تاهت المدن " وأسدلت ستائرها السود. حالة من سواد " تعم الدنيا، تتحول إلى غيمة تمطر وحلاً وأسئلةً، تاهت عن الدروب لم يعد أحد يدري إلى أين تقوده خطاه. صارت المدينة قطعة من ليلٍ لا نهاية لـه، مدينة تمشي بلا اتجاهات، حكايات تنقلها الريح. تقف على بوابات القصور " وأي قصور " وأسوار الحدائق المغلقة. حافيةً تركض في الشوارع الخالية من الناس. بهدوء ضغطت بأصابعها فوق زر صغير أضاءت مصباحاً خافتاً. انعكس لونه الأحمر على السرير. أدارت مفتاح آلة التسجيل. موسيقى راقصة. ليلٌ وموسيقى. ربطت حول خصرها شالاً من شعارات أغفلها ورَّاقو المدينة. صوت من عمق الليل يتعالى: لا تصرخي، لا تندهي فلا أحد يجيب! دوي يهز الأبواب. يتطاير زجاج النوافذ. مدت يدها لتأخذ بيده. كان يتكوم جثة تحت السرير، وكمن يفقد ذاكرته في اللحظات الحرجة أو الحوادث، شعرت كأنها تطير بلا أجنحة وقد تاهت عن تاريخها الموغل في القدم. راحت تغني وترقص على أنغام الجنائز وأزيز الرصاص. احتار الرجل ماذا يفعل وقد غدرت به فحولته أمام هذه المرأة المتألقة جمالاً وأنوثة، تارة تريده رجلاً، وتارة تابعاً تهزأ منه. لم يجرؤ يوماً ابن امرأة على اختراق مسرح شهرزادها الليلي أو الاقتراب من أسوار حدائقها. سحابة من غبار ورمل حارق. تركت فوقها ظلاً رمادياً ثقيلاً، تراكم فوق صدرها. التف حول عنقها كعقدٍ ثمين. توغل إلى جسدها توسد ثيابها الداخلية. صرخت. استجارت بأبناء القبائل الأقرب ثم الأقرب. حملت الريح استغاثتها إلى المضارب الممتدة من البحر إلى النهر، إلى الصحارى والسهول الداخلية. مشت مع مجرى الأنهار. تسلقت قمم الجبال. غاصت تحت موج البحار. اجتازت كل الوديان والهضاب. " ما في حدا " فيروز قد سبقها الزمن " لم يزل رنين أجراس العودة معلقاًً على بوابات الكنائس ومآذن الجوامع ومسرح الرحابنة!.‏
قالت المرأة: يبدو أنَّ في آذانهم وقراً " صمٌ، بكم عميٌ، فهم لا يفقهون" عبر الزمان تاه صوتها. بينما الرجال يمشطون لحاهم، ويفتلون شواربهم وهم يراقبون عارضات الأزياء على الشاشات التلفازية المتعددة والتي تنقلها الأقمار الصناعية المصنعة خصيصاً للقبائل، والمضارب والبوادي، والنساء كن منشغلات بنتائج مسابقات الجمال والأغاني الراقصة للنوادي الغربية. دوي غامض يهز النوافذ. تصرخ المرأة المدينة الحالمة. لا أحد يسمع صوتها. تمر الأيام. تعبر في شوارعها القديمة قوافل محملة بالتمر والبن، ودواوين الشعر. تمر من خلف صفحات تاريخ عبثت فيه أقلام الوراقين، وحفظة الأحاديث، والذين ليس لهم خبرة بأمور البادية والصحارى.‏
هو الغبار اللعين يحمل إليها ملامح السواد، حين عبر كل أسوارها صرخت المرأة من جديد. شيء ضاع منها. شعرت أنها تفقد الأشياء الجميلة والغالية الثمن. تقطعت حبالها الصوتية حين فقدت عذريتها جهاراً.‏
في تلك اللحظة، كانت نوافذ القصور مغلقة، والريح غربية تعوي في زوايا العتم، زوبعة رمل تغلق الأبواب ومسالك الطرقات في وجه الرجال كل الرجال! كأن الفجر تأخر، والمرأة المدينة تبكي ما ضاع منها، حين لم تجد من ينجدها، بلعت دمعها بحرقة، ثم رويداً رويداً تصالحت مع الوضع الراهن لتصبح مع الأيام امرأة ليل تبيع أنوثتها لمن يشتهي، صارت تؤدي طقوسها اليومية في وجود هذا الهيكل الذي لم يزل يحمل ملامح الرجال. صمت.. الأمكنة صامتة. الليل ومواء قطط الجوع، وبكاء أطفال تشردوا بفعل الريح والغبار. صمت في كل مكان، إلا صوت أبي نواس، كان يغني قصائده، بينما يوزع على البيوت الطينية سعف النخيل ودقيق القمح، وبضع حبات التمر. لا أحد إلا الرجل. والمرأة ترقص بثوبها الشفاف. هاجت رجولته. خلع كبرياءه. أتاها زاحفاً جاثياً على ركبتيه ويديه. تمرغ بعطر جسدها. مررت ساقيها فوق كتفيه " مدينة بلا سور " تزف نفسها إلى رجل بلا ذكورة. يلفه كل ما يوحي بالاغراء، كان يرتجف بين ذراعيها العاريتين خجلاً من وهنه، وماضيه. استسلمت المرأة لـه بانتظار الفجر. حرق السؤال شفتيها. وهل هناك فجر؟ أغلقت المدينة بوابات قلعتها.. وهل هناك قلعة؟ لم تبقِ الريح الغربية، لا قلعة، ولا أسوار.. ولا نوافذ.. ولا رجال، الحيرة تكاد تقضي على المرأة، دخلت غرفة نومها بحذر لتمارس هواياتها السرية؟ شعر الرجل أنه مرهق وأن حالته تستدعي الاتصال بطبيب الأمراض العصبية.‏
المرأة: جن الرجل.‏
الرجل: لم أجن يا امرأة من نار وحرائق.‏
صمت مخيف، فتح الرجل النافذة المطلة على عويل النساء المتشحات بالسواد منذ أول غبار معركة انتصر فيها الظلم على الحقيقة، أدهشه ما يجري. أنهر من الدمع والدم جرت تجرف في طريقها حصى البادية والطرقات الوعرة، حزن خانق، تقطعت أوتار العود، نز الدم من أصابع أبي نواس وهو يلقي مقتطفات من شعره في قاعة مغلقة لمحكمة أقامها الرواة والوراقون وكتبة دواوين السلطان. وحدك أبا نواس متهم بالمجون وشرب الخمر على قارعة الطرقات، وحدك أبا نواس تقول شعر الحقيقة، ظل أبو نواس يرتل شعره بالرغم من اعتراض الرواة والعسس ومواء القطط التي تغوص في أكوام القمامة تفوح من نفسها رائحة عفنة. أرادت المرأة أن تظهر مفاتن جمالها للرجل، على أن يستعيد بعضاً من رجولته. أشعلت الضوء. خاف الرجل، سألته بلهفة هل تخاف الضوء؟ قبل أن يجيب أسرع إلى النافذة أغلقها، وقف مندهشاً " الظلمة تخفي عيوبنا " كان حائراً ماذا يفعل أمام امرأة تشبه نور الصباح، تفرش جمالها بين يديه؟ لم يكن يتوقع حدوث ذلك حتى في أحلامه. أحس برعشة باردة تجتاحه من رأسه إلى أسفل قدميه، بدأت حبيبات صغيرة من العرق تتشكل فوق جبهته، وعلى جلده، شعر الرجل بسائل ساخن يجري بين ساقيه، بلل السائل أوراقه المبعثرة فوق أرض الغرفة. شكل السائل ساقية من حبر لـه رائحة عفنة تدفق السائل بقوة. فتح ثغرة في أكوام القمامة. تسلل من خلال شقوق الباب الخشبي. عبرَ مسرعاً درجات حجرية تؤدي إلى الشارع العام. ربما من الخوف أو من القهر، أطلقت المرأة ضحكة قوية ثم ألقت بعريها فوق جثة الرجل. الخوف جعله يقفز محتجاً في أرجاء الغرفة. أحس كأن جسدها تحول إلى ثعبان يتلوى. يطوق عنقه. يشد الخناق عليه. صرخ الرجل بصوت عالٍ. حاول أن يتخلص منها. دفعها بقوة. سمع دوي سقوط على الأرض. صرخ من شدة الألم. كان جسد الكاتب يتمدد على صقيع البلاط وحيداً. تحسس أطرافه. نظر حوله. بقايا أوراق ممزقة. سرير غير مرتب.. غرفة نوم لم تعرف عطر امرأة من قبل.. زجاجات شراب فارغة. كؤوس محطمة. كتب على رفوف خشبية قديمة يعلوها الغبار. أوراق صفر لم تزل أختام الولاة عليها. عباءات من ماضٍ ملقاة على درج قصور شهرزاد وألف ليلة وليلة. خناجر لها قبضات من ذهب وغدر. هز برأسه " ما هذه الكوابيس؟ " تناول الكاتب مصب القهوة. كان البخار يتصاعد على شكل سحابة صغيرة. رائحة الهيل المنعشة ملأت المكان. شرب فنجاناً من أجل الأحلام، وفنجانين من أجل ساقية الحبر، وثلاثة فناجين من أجل امرأة تشبه الصبح، وخمسة فناجين من الزنجبيل وجوز الطيب، من أجل مدينة غادرت أسوارها بلا عذرية، ولا حراس. حاول أن ينهض عن صقيع البلاط ترنحت مشيته. قال لنفسه يبدو أنني أفرغت كل تلك الزجاجات في جوفي. حاول أن يخرج من ماضيه، من يأسه. دخل إلى الحمام. تقيأ. شعر بالراحة قليلاً. ترك جسده تحت الماء البارد. وقفت لـه الكوابيس بالمرصاد. ضحك الرجل من نفسه. أكان كل هذا مجرد حلم. ارتدى ملابسه وراح يصب القهوة، ويشرب نخب المدن المترامية الأطراف.‏
دمشق: 9/4/2004.‏

CUPLIKAN: NASKAH DRAMA

عــلـي الــمـزعـل

آخــر لــحـظــات طـفـولـتـي
عرفت الحرب أول مرة في حياتي حين كنت في السابعة.‏
مساء، الشمس تتدلى للالتحام مع الأفق، ورطوبة المساء المنعشة بدأت تلف البيوت الطينية العتيقة، لتمتص منها وهج النهار، ومواشي القرية تغادر مراعيها في طريق العودة، وكبار السن يتربعون على مصاطبهم الطينية أمام الأبواب الخشبية الهرمة، وثمة طيور في السماء تبحث عن مبيتها فوق الأشجار التي بدأت ذؤاباتها تنحني قليلاً امام هبات الريح المسائية اللطيفة.‏
في هذا الوقت تماماً كنا نلعب على بيادر القرية، أكبرنا لايتجاوز العاشرة، كنا نلعب بكرة قماشية صنعناها بأنفسنا... تضيع أجسادنا وسط الغبار ونحن نتدافع نحو الهدف كل منا يريد الوصول.. يتعثر بعضنا ويمضي آخرون.. ويتكوّم الجميع في زاوية مامن الملعب الترابي ثم ننهض متفرقين وقد علا صراخنا استعداداً لجولة جديدة.‏
فجأة توقف كل شيء، غاب الصراخ وتباطأت حركة الأقدام حتى تلاشت تماماً، وتسمرت عيون الجميع نحو سيارة قادمة على الطريق الترابي الوحيد المؤدي إلى القرية وهي تلتف بزوبعة من الغبار، تتكاثف حيناً وتنقشع أحياناً كلما هبت ريح المساء.‏
وحين اقتربت أكثر هب الجميع لملاقاتها، ... ركضنا خلفها، صارت أجسادنا اشباحاً تتسابق وسط الغبار، وتعالت صيحاتنا، وارتفعت الأيادي النحيلة بالتلويح للجنود الذين يطلون من نوافذها... نلامسها حيناً وتبتعد عنا أحياناً وهي تجتاز حفرة من حفر الطريق.‏
وحين دخلت القرية انطلق بوقها بالصراخ فاحتشد الناس على الجانبين واعتلى بعضهم أسطحة المنازل، وارتفعت الراحات تظلل العيون الهرمة.‏
قال رجل عجوز: يارب سترك.‏
وقال آخر: رحماك يا الله.‏
وكانت المفاجأة أن السيارة توقفت أمام بيتنا تماماً، تقافز منها الجنود توحدت ملامحهم مع ملامح الفلاحين ولم يعد يميزهم إلاّ شاراتهم العسكرية وقسمات وجوههم التي امتزج فيها الحزن والقسوة والحنان.‏
أشرعت باباً خلفياً انكشف عن تابوت خشبي يلتف بعلم ملون هو ذاته الذي نراه كل يوم يرفرف على مدرسة القرية... حمله الجنود على أكفهم ودخلوا أرض الدار، ..عقدت الدهشة ألسنة الجميع، حتى أمي لم تنطق بكلمة، تعلقت عيناها بأطراف التابوت ووجوه الجنود التي لفحتها الشمس والغبار.‏
قال أحد الجنود وهو يحاول جاهداً أن يباعد بين شفتيه:‏
هذا جثمان الرقيب محمود.. وبعد صمت أردف قائلاً:‏
قضى وهو يعارك العدو الذي حاول اجتياز مواقعنا يوم أمس..‏
كان شجاعاً رحمه الله، لم يوص شيئاً.‏
ثم وضع رزمة من الاوراق بين يدي أمي المرتجفتين، واستدار سريعاً وهو يداري الدموع التي انساحت على وجنتيه ويحاول عبثاً التخلص من اسئلة الفلاحين ولغطهم الذي أحاط به من الجوانب كلها.‏
عندها تعالت الأصوات بكاءً، وزغاريدَ، وغضباً واصراراً على الثأر.. وحين حملني أحد الرجال وهو يقبل جبيني قائلاً:‏
غداً ستكبر وتنطلق إلى هناك، حيث دماء أبيك ورفاقه... عندها عرفت تماماً أن الشهيد أبي، وعندها عرفت معنى الحرب، وقرأت في عيني أمي، كيف يكون المرء شجاعاً، وكيف يكون المرء صابراً ومحباً.‏
وكانت تلك اللحظة آخر لحظات طفولتي، كبرت أحلامي فجأة، غادرت الفراشات الملونة ذاكرتي إلى الأبد. وصارت البنادق حلماً يراودني كل يوم، وامتلأ صدري بكل إيمان الرجال.‏
فمن قال أن الأطفال لايعرفون الحرب

أســـرار وجـــه
كانت المرة الأولى التي رأيت فيها هذا الرجل، حين قدمت إلى هذه القرية الحدودية التي تقع تماماً قبالة التلال المحيطة بمدينة القنيطرة، كتل (أبو الندى، وتل الشيخة، وتل عرّام) وغيرها من التلال الصغيرة المتخاصرة على طول الحدود.‏
في ذلك اليوم، نهضت من فراشي باكراً، وأنا محمَّل بأحلام وهواجس الليلة الفائتة التي يعاني منها عادة أي قاطن جديد في مكان لايعرف عنه الكثير. كان الجو بارداً يلسع وجوه المارة بمياسمه المحملة برذاذ ثلجي لم أكن معتاداً عليه طوال السنوات الماضية التي قضيتها في دمشق.. وحين نظرت إلى قمة جبل الشيخ خيل إلي أن هذه الريح الشمالية ستظل محملة بالثلوج إلى مالانهاية.‏
كان المارة يلتفون بمعاطفهم مسرعين إلى أماكن عملهم، وقضاء حاجاتهم في اتجاهات مختلفة من المناطق المحيطة بالقرية، وأطفال المدارس يسيرون جماعات متراصة يحتمي كل منهم بالآخر ويطلون برؤوسهم من ياقات معاطفهم الفروية المهترئة.. حتى تكاد لاترى إلا عيونهم وهي تحاول عنوة مقاومة الريح، وأصابع أيديهم المحمرة وهي تقبض على حمالات حقائبهم المبللة..‏
في هذا الوقت بالذات كنت متجهاً إلى المخبز الآلي الواقع جنوب القرية وحين وصلت كنت قد فقدت احساسي بأصابع قدمي، حيث تحول حذائي إلى قطعة من ثلج. وقفت خلف طابور طويل يصطف أمام النافذة التي يطل منها رأس البائع الملون بذرات الطحين، التي أكسبت ملامحه لوناً خاصاً ربما لايشاهده المرء في أي مكان آخر..‏
وشيئا فشيئا بدأت اقترب من النافذة، يجذبني إليها... ذاك التيار الحار المنبعث من داخل المخبز والمحمل برائحة الخبز الطازج وهو يجتاز دائرة النار ليستقر أمامنا عبر النافذة الضيقة، ورغبتي العارمة في العودة سريعاً إلى منزلي الجديد.. خلال هذه الفترة من الانتظار كان ثمة رجل يلتف بمعطف عسكري قديم، وعلى رأسه التفت بإحكام كوفية بيضاء مخططة، حتى غطت معالم وجهه تماماً وعلى عينية ارتكزت نظارة سوداء، حتى صار من الصعب تمييز ملامحه. كان يحتمي بجدار قديم من الإسمنت المسلح ويضع أمامه كومة من الأكياس البلاستيكية السوداء، وكلما خرج أحدنا من الطابور المصطف أمام النافذة أومأ برأسه.. كيس ياسيد. كان بعضهم يقف أمامه مصافحاً، ثم ينقده بعض الدراهم ثمناً للكيس الذي تناوله على عجل، وبعضهم لايأبه لندائه ويواصل السير مسرعاً دون أن يلتفت إليه. وحين خرجت حاملاً أرغفة الخبز الساخنة التي منحتني شيئاً من الدفء حتى صار بإمكاني تحريك أصابعي، سمعت النداء ذاته.. كيس ياسيد.. وقفت أمامه برهة تناولت كيساً ونقدته ليرة أو ليرتين .. لا أذكر ثم تابعت السير دون أن يعني ذلك لي شيئاً، سوى بعض الرثاء لوضع هذا الرجل الذي يجلس طيلة النهار في مواجهة الريح الشمالية الباردة.‏
صار منظره مألوفاً لديَّ، ففي كل يوم يتكرر المشهد ذاته، وتتكرر العبارة ذاتها‏
- كيس ياسيد..‏
الأمر الذي أثار فضولي، أن هذا الرجل ظل ملتفاً بكوفيته ونظارته السوداء رغم انتهاء فصل الشتاء وانحسار موجة البرد القارسة، حتى صار هاجسي التعرف إليه بأي شكل من الأشكال..‏
.. ذهبت بي الظنون إلى أفكار شتى، وساورتني مشاعر خاصة عكست حساسيتي تجاه هذا النوع من الرجال، وتنازعتني الأسئلة:‏
لماذا يلتف بكوفيته ونظارته السوداء رغم هذا الدفء الربيعي المنعش؟‏
لماذا يصر على إخفاء ملامحه إلى هذا الحد؟‏
ولماذا هذا العمل بالذات رغم القدرة الجسدية الواضحة التي تبدو في حركة يديه وتقاطيع جسده ونبرات صوته؟‏
ثم لماذا هذا المكان بالذات؟‏
أسئلة كثيرة تتنازعني في كل يوم، حتى أنه أحس بذلك تماماً عبر نظراتي المتلاحقة والمستنفرة في كثير من الأحيان.‏
سألني ذات يوم.. لماذا تنظر إلى هكذا؟‏
ألم يعجبك منظري؟..‏
ثم ضحك وهمهم بكلمات لم أفهمها، الأمر الذي أثار فضولي أكثر، حتى صار همي أن أذهب إلى المخبز كل يوم، لامن أجل الخبز فقط بل من أجل معاينة هذا الرجل والتعرف إليه.‏
قلت لأحدهم بعد أن صافحه:‏
هل تعرف هذا الرجل؟‏
ضحك.. ثم قال: اسأله وهو يجيب!..‏
رمقته بنظرة سريعة وتابعت السير، وظل هاجسي تلك الليلة أن أعود صباحاً لأعرف من هو تحديداً..‏
سأسأله هذه المرة مهما تكن النتيجة، رغم معرفتي الأكيدة أن ليس لي الحق في ذلك... صباحاً كنت الأول في الطابور الذي بدأ بالتشكل لحظة بعد لحظة، حملت أرغفة الخبز واستدرت سريعاً.. وجاء الصوت المألوف..‏
.. كيس ياسيد.. وقفت قبالته، وقد بدت علي علامات الحيرة والارتباك.. نظرت في وجهه متفحصاً ملامحه وقد حاول التشاغل عني بترتيب رزم الأكياس الموجودة أمامه وبدت على يديه علامات استنفار واضحة، وبين وجهي ويديه المستنفرتين تراقصت نظارته السوداء.‏
فجأة بدد حيرتي وقوفه السريع على نحو يوحي بقدرة جسدية هائلة حتى صار وجهه مقابلاً لوجهي تماماً.‏
قال بنبرة حادة:‏
أنت تحاول أن تعرف سر وجهي، أليس كذلك؟..‏
قلت مترددا: لا.. لا.. هذا أمريخصك.. قلت ذلك وأنا مرتبك إلى حد كبير. قال: بل أنت تحاول ذلك منذ زمن، وقد أزعجتني سهام عينيك المريبة في كل مرة قدمت فيها إلى هذا المكان.‏
ثم امتدت يداه بسرعة خاطفة لتنزع الكوفيه عن رأسه ووجنتيه، والنظارة السوداء عن عينيه اللتين حلمت برؤيتهما طويلا.‏
تملكني الذهول، واعترتني الدهشة، وارتعد جسدي وأنا أرى أمامي رجلاً بلاأنف وقد غابت إحدى عينيه تماماً، حيث خلفت وراءها حفرة التأمت أطرافها فوق وجنة مشوهة كأنما احترقت على نار جهنم.‏
قال: أنا الرقيب أول محمود الهايش ياسيدي.. أقصد كنت الرقيب أول محمود الهايش.‏
قلت وقد لفني الحزن والندم والحيرة.‏
لم أقصد اثارتك ياأخي!‏
قال: أنا أجلس في هذه المنطقة لاحباً بنقودك، ولارغبةً في مشاهدة هذه الوجوه الصفراء الميتة.‏
كل مافي الأمر أني أجلس هنا في كل يوم لأشاهد تلك التلال المتعانقة على طول الحدود.‏
قلت وقد تماسكت قليلاً:‏
وماشأنك بذلك؟‏
قال: وقد طفحت عينه بالدموع.. ألا ترى ذلك التل ياأخي؟‏
//تل أبو الندى//‏
قلت: نعم أراه جيداً..‏
قال: على سفحه الشمالي غرست قطعة من جسدي وبترابه الطاهر امتزج دمي..كل الأجزاء التي لاتراها الآن في وجهي هي هناك.. هناك تحديداً.‏
هل عرفت الآن من أنا؟.. قال ذلك وقد رق صوته رغم التحدي الواضح في كل ملامحه.‏
وحدّ الصمت وجهينا، وابتلت الأهداب بدموعها... وتقافزت نظراتي بين ذاك التل الأشم في عمق الوطن المحتل، و هذا الأنف المقطوع والوجنة المحترقة التي تقف قبالتي الآن.‏
عانقته.. ارتجفت أكتافنا، تساقطت بعض أرغفة الخبز لتملأ الفراغ بين جسدينا. ثم انصرفت مسرعا وقد تعلقت عيناي بتل /أبو الندى/ حتى
خيلَّ إليَّ أن هذا التل على ضخامته هو أنف الرقيب محمود الهايش ذاته

رجــــال مـــع الــــفـجـــر
حين زل القمر عن قبة السماء، كانت مجموعة من الرجال، ومجموعة من البنادق داخل تجويف صخري تغطي أطرافه أشواك البلان والأعشاب البرية، وأعواد القصب التي امتصت رطوبتها الأيام والشموس الحزيرانية اللاهبة، ومن أمامه تمر ساقية الماء التي ولدها نبع عين أم العظام الواقعة على بعد أمتار فقط من المنطقة المحرمة التي تفصل القرية عن فلسطين المحتلة، ومن فتحات الصخور تبدو أمامك بحيرة طبرية كبساط من فضة تغتسل على جنباته أضواء البيوت وظلال الجبال في عمق فلسطين، ينهض على أطرافها الضياء... صفد وسمخ والمجيدل والغوير وسهل الحولة وغور بيسان، وعلى أهداب البحيرة تبدو بحيرات الأسماك الصغيرة التي صنعها الخواجات لامعة تحت نجوم الليل. أنفاس وأحلام وآهات وأوجاع وبنادق وعيون تكاد تفر من محاجرها تحنو عليها الصخور الآن....‏
كانت عينا عوض المسعود تبرقان وسط الظلام الذي خلفه غياب القمر، ترتفع حاجباه قليلاً وتنفتح أهدابه فيصل إلى قمم الجبال التي بدت كخيام سود على صدر الأفق الغربي، أو كقافلة جمال تركض نحو الضياء الناهض على جنباتها، ثم يستدير قليلاً ليمشط بناظريه كتل الصخور والأعشاب والمعابر التي عرفها جيداً، وفي كل الحالات ينتهي به المطاف إلى مياه الساقية التي ولدها النبع والتي تنحدر غرباً راكضة عبر تعرجات الصخور..، مياه لها صفاء العين، ورقة الروح تلتمع رغم ظلام الليل. ظل يراقب الماء.. امتد به النظر حتى كاد أن يسبق الساقية، وما أن يصل إلى حالة انعدام الرؤية حتى يعود من جديد ليغمس ناظريه في ماء الساقية، ويصيخ السمع ليدقق الأصوات المرافقة لخرير المياه.... كثير من الحيوانات البرية وردت المياه.. شربت وتمطت ولعبت ثم نزحت إلى أعالي الصخور.. وكثير من الضفادع تقافزت فأحدثت صوتاً خاصاً لا يمكن لأحد أن يحس به إلا من يعش هذه اللحظة تماماً..‏
ليل ومياه ومعزوفات وحيوانات برية وأعصاب مشدودة وآذان تلتقط كل الأصوات.. تفرزها تحللها.. تعيدها إلى أصولها، وعيون استولدت دمعها نسائم الليل ونداه، وأضناها السهر والتعب والعشق والانتظار.‏
تمنى عوض المسعود لو يستطيع النهوض قليلاً ليشرب براحتيه شيئاً من ماء الساقية كما كان يفعل من قبل... أحس بالعطش.. امتص شفتيه بلع ريقه.. سوّى مكانه جيداً.. أراح عجيزته وانبطح على صدره، صار أخمص البندقية ملاصقاً لوجنتيه... ثم نهض من جديد، رفع رأسه قليلاً، ثم عاد إلى وضعية الاحتراس وأطلق ناظريه في كل الاتجاهات.. ليستقر أخيراً كما في كل المرات السابقة على سطح الساقية...‏
آخ... ماؤنا صار محرماً علينا!؟. أنا عوض المسعود الذي عاش في هذه القرية كما عاش أبوه وجده... لحم أكتافي من الأرض، ود ماء شراييني من مائها... أنا الآن لا أستطيع النهوض لأملأ حفنتي من ماء النبع الذي يحتفظ بصورة وجهي كما كل الوجوه في القرية!!.‏
خطر له أن أحداً ما على الطرف الآخر يحاول الآن أن يشرب من نهاية الساقية.. تمنى لو يستطيع في هذه اللحظة تماماً أن يمنع المياه من المسيل.. تمنى أن يجففها الآن أو يحول مسارها شرقاً... أو يعكرها على أقل تقدير. أمسك حصاة صغيرة ورماها في قلب الساقية، أحدثت صوتاً ناعماً ضاع مع سقسقة المياه، ونقيق الضفادع... أحس بشيء من الارتياح.. انتابه شعور بأن هذه الحصية قد عكرت صفو الماء ولو لحظة واحدة... تداخلت في رأسه الكثير من الأفكار والكثير من الوقائع والكثير من التساؤلات...‏
أليس كارثة أن يحتلوا أرضنا ويشربوا ماءنا!؟. أليس مصيبة أن لا أستطيع النهوض الآن، لأروي جوفي من ماء بلادي..!؟.‏
أنا الذي تعرفني الصخور والآكام والأشواك، والطرقات، وتراب الأرض!.‏
ما الذي حدث لهذا العالم!... الظلم لن يدوم.‏
لامس زناد البندقية وشد كوفيته حول رأسه جيداً وابتلع أنفاسه وعادت هواجسه من جديد... ساعات الفجر هي الأكثر خطورة، هكذا علمتنا التجربة.. في مثل هذه اللحظات يهجم النوم، وتسترخي الأجساد وتمتد الأحلام، وترق الروح وينكشف ستار الليل.. هم يعرفون ذلك كما نعرف نحن تماماً... حاول استنهاض همته كما كانت في اللحظات الأولى لمهمته... استنفر حواسه.. حاول مقاومة الشرود.. أوغل عينيه في بحر الصخور الذي يمتد ويمتد حتى يصبح سهلاً فسيحاً على أطراف بحيرة طبريا... كل الصخور يعرفها... وكل المعابر جاسها بقدميه مرات عديدة في الأيام التي مرت... وكل الأعشاب البرية يعرف أسماءها وطعمها... البسباس والعكوب والخبيز والقريص والسنارية، وأشواك البلان والسدر والرتم والقندول والشومر.. وحجارة البازلت والصوان والحوار والكهوف والأودية والمداخل والمخارج ومراتع المواشي... كلها تنهض في ذاكرته الآن... تمنى لو يركض الآن.. حتى شاطيء البحيرة، ليغتسل كما كان يفعل في الماضي... هاجت به الذكرى..‏
ازدادت حواسه استنفاراً، واتقدت أكثر حين لاحت له من بعيد أشباح سوداء.. ترتفع حيناً وتنخفض أحياناً مع ارتفاع الصخور وانحناءاتها... دقق النظر ساورته ظنون كثيرة.. بدا متردداً إلى حين... رد كوفيته نحو الخلف فبانت أذناه تماماً... أحس بشيء من رطوبة الليل.. التصق بالصخور، وضع يده على الزناد... دبيب أقدام متباطئة حيناً. ومسرعة حيناً، وما أن تغيب برهة حتى تعود من جديد.. أحس بجسده يرتعش... كل مسامات جلده صارت مستنفرة الآن.. أعترته قشعريرة لم يشعر بها من قبل... انتصبت كل الشعيرات التي تغطي جسده،... جلدة رأسه كادت أن تغادر جمجمته... اقتحمته أنفاس غريبة أحس بها تماماً.. عزز وضعية الاحتراس.. ضاقت حدقتاه إلى أقصى حد ممكن.. ارتفعت أشباح، ثم غابت.. ثم ظهرت من جديد لكنها في هذه المرة أكثر اقتراباً... أدرك بتجربته أن الخطر قادم لا محالة.. وقد عزز ذلك التماعات الأسلحة التي فضحتها بقايا النجوم المتشبثة بصحن السماء. امتدت يداه سريعاً إلى أجساد الرجال النائمين خلفه.. تململ بعضهم ثم حاول النوم من جديد.. لامس وجوههم، أشعل اليقظة في أجسادهم.. حتى تناهضوا مذعورين أمام إصراره المتصل.. أشار بيده.. همس.. تنفس في آذان البعض.. وبعد أن أخذ الرجال أمكنتهم... ضغط على الزناد.. فدوى الرصاص ليثقب آخر ستائر الليل وامتد الصدى طويلاً مقطعاً تبتلعه الصخور ثم تشكله من جديد... طلقات متلاحقة أنصبت ناراً على المكان من كل الكمائن المنتشرة على طول الجبهة يعززها نيران الرشاشات التي أطلقتها كمائن الحرس الوطني المحاذية تماماً لكمائن المقاومة الشعبية على امتداد الجبهة.‏
رصاص.. وأضواء كاشفة، وحيوانات برية تقفز مذعورة بين الصخور وصرخات استغاثة، وأشباح تفر نحو الغرب، وخيوط رفيعة جداً تفصل بين الموت والحياة. وحين لاحت أعمدة الفجر، كانت رصاصات متفرقة مازالت تطلق من هنا أو هناك...‏
نفر الرجال عبر الصخور والأشواك وظلال الآكام والممرات الوعرة، إلى حيث العيون الناعسة التي أيقظها الرصاص، وأضناها الخوف والانتظار، خلف الأبواب والنوافذ الخشبية الهرمة... تاركين خلفهم حرارة أجسادهم وأعقاب سجائرهم التي احترقت تحت الأغطية، أو بين الأصابع الخشنة التي تكونت حولها لتمتص بصيصها، والكثير من الفوارغ النحاسية التي خلفها الاشتباك والكثير من الآهات والأوجاع والأحلام والهمهمات والمشاعر.‏
وحين بدأ صوت المؤذن يأتي مع ندى الفجر شجياً حنوناً مقطعاً، كانت أبواب البيوت المتخاصرة على جنبات الأزقة تستقبل الرجال والبنادق بينما بدأت الخيول المشدودة إلى أوتادها في أطراف البيوت تصهل صهيلاً رخيماً ناعماً طلباً لكلئها.. ومن خلف أبواب الخانات المغلقة ارتفع خوار متقطع خفيف لعجول وأبقار، وهمهمات لخراف وادعة وارتفع صياح الديكة في الأمكنة كلها.‏
.‏